الجزء الحادي والعشرون
الجزء ٧ · صفحة ٨٨الباب الأوَّل
في الأمانة
ومعناها قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿إنَّ الله يأمرُكمُ، أن تُودُّوا الاَمانات إلى أهلها﴾، وقد نزلت قيل في مفتاح الكعبة، وردِّه إلى عثمان بن طلحة، وقال أيضًا: ﴿إنَّا عرضنا الأمانة … ﴾ الآية، فقيل: هي الفرائض؛ مجاهد: هي والحدود؛ أبو العالية: ما أمر به ونهي عنه؛ زيد بن أسلم: الصوم وغسل الجنابة وما خفي من الدين؛ وقيل: فرج الإنسان فإنَّه أوَّل ما خلق منه؛ وقيل: جميع أعضائه؛ وقيل: الوفاء بالعهد؛ وقيل: غير ذلك.
والأصحُّ أنَّها التَّكاليف الشاقَّة الشرعية، وروي أنَّ الأمانة تجلب الرزق، وأنَّها غنىً، والمراد أنَّ التاجر إذا عُرف بها وبالصدق كثر معاملوه، وقد مدح الله الأمناء بقوله: ﴿والذين هم لأماناتهم … ﴾ الآية. وقد أمر بأدائها وأكَّده صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فمن اؤتمن بها فليحفظها حتَّى يؤدِّيها ولا يضيِّعها، وإلاَّ ضمنها، وكذا إن أعارها أو استعملها، لا إن ضاعت بلا تضييع منه.
والواجب على المرء أن يودع ماله ثقة، فإن أودعه غير أمين فقد عرَّضه للتلف، ويخاف عليه الإثم بمخالفة النهي عن إضاعته(1). ويقال: من ائتمن فاجرًا فجزاؤه الخيانة. وروي: «لا تكن أمينا لخائن»، وأيضًا: «لا تزال أمَّتي بخير ما لم يروا الأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا». وقيل: معنى ذلك: كفى بالمرء خيانة كونه أمينًا لخائن.
ومن قدر على تخليص مال المسلمين من تلف فتركه فتلف فإنَّه يضمنه، ومن احتضر وبيده وديعة، ولم يجد لها إلاَّ غير ثقة، فعليه أن يجتهد في طلب أمين إلى أن
(1) - ب: «إضاعة المال».