التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثالث

الجزء ١ · صفحة ٥١٢

أبو هريرة: مرّت على رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ جنازة وخلْفها نساء يبكين فانتهرهنّ عمر، فقال له: «إنّ النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب».

وقيل: لمّا دُفنت رقيَّة بكت عليها فاطمة، فقال أبوهما: «ما كان باليد واللسان فمن الشيطان، وما كان من القلب فمن الرحمة». وقيل: بكى على ولده إبراهيم، وقيل: دخل عليه جابر بن عبد الله وولده يجود بنفسه فوضعه من حِجره فقال له: تبكي وأنت تنهانا عن البكاء!، فقال: «إنّما أبكي رحمة له، وإنّما نهيت عن خدش الخدود، وشقّ الجيوب، ورنّة الشيطان».

وقيل: اجتمع ابن عبّاس وابن عمر في جنازة رافع فسمعا صوت باكية، فقال ابن عمر: «إنّ صاحبكم شيخ كبير لا طاقة له بعذاب الله، وإنّ الميّت ليؤذى بهذا القول من الحيّ»، فقال ابن عبّاس: «رحمك الله يا أبا عبد الرحمان أما إنّك وأباك لتقولان ذلك والله يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى ﴿وَأنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ (سورة النجم: 43) والله أجلّ وأعدل من أن يؤاخذ هذا الميّت بقول هذا الحيّ».

وقيل: البكاء على الميّت على وجوه، وقوع غلبة البكاء على الباكي، واختناق عَبرة لا يطيق دفعه، وغمّ وحزن وضيق يلحقه فيكون فرجه (279) في بكائه وبه يستريح قلبه وبدنه، فهذا ونحوه لا حرج فيه ولا إثم. ومنه ما يدعو إلى الخضوع إلى الله والتذكّر للذنوب رغبة في المسارعة إلى الخيرات وإيثارا للصالحات فهذا من أفضل القربات، وبه ينال الرضوان والمغفرة من المولى.

ويُعزّى المسلم في ميّته مطلقا ولو مضى زمان، لا أهل فتنة وبغي وقطع فيمن مات منهم، ويعزّى عليهم قريبهم إن كان ليس من أهل فعلهم ولو غير مسلم.

٥٠٢ / ٣٬٥٨٥