الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩١الشّكوك، وقيل: الذي لا يتحول ولا يتغيَّر في القلب، وقيل: هو المكاشفة، وقيل: رؤية العيان بقوَّة اليقين. والصَّواب عندي: بقوَّة المعرفة لأنَّا نُعَرِّف في اليقين وإلاَّ لزِم الدَّور.
فصل
إنَّ الملائكة أعظم يقينا من الأنبياء والرسل؛ وهم فيه أعظم من غيرهم، ويتفاضل الناس في الدوام عليه وقلَّة السهو، على قدر تفاضلهم فيه. ويصيبه المسلم وغيره ولا يستحقُّ به الثواب إلاَّ الموفّي بالدّين، ويستجاب به الدعاء لكلٍّ، ولكن غير المؤمن دعاء الدنيا فقط، ومن كثرة اليقين تكون البراهين، ولا يستوثق به في أمر الآخرة، وإن كان يزيد الرغبة والاِجتهاد.
وقيل: اليقين استقرار معرفة العارفين ويتزايد بلزومها، فعلى قدر اشتغال القلب بالأمور الدنيويَّة يضعف. وروي: «أخوَف ما أخاف على أمَّتي ضعف اليقين»؛ فكلٌّ يجاهد على قدر قوَّة يقينه، ويقرب من الله بقدر مرتبته. ومن أمارات المعرفة: حضور الهمَّة من الله.
وروي: «دعامة الدّين المعرفة واليقين والعقل المانع من المعاصي، والحرص على الطاعة». فإذا عرف العبد ربَّه لزمت قلبه الرَّغبة فيها والرهبة عن ضدّها، وامتلأ عظمة وحياء.
وتتزايد المعرفة في قلب العارف بحسن التفكُّر، والاِعتبار في إتقان ما يشاهده من الصنع وحسن التَّدبير. وقيل: هو بحر لا يدرك له قعر، ولا يحيط به بشر، وعلى سواحله وأطرافه يحوم الخلق بقدر ما تيسَّر لهم؛ وما خاض بعض أطراف معرفته إلاَّ الأنبياء والأولياء والراسخون من العلماء؛ على قدر درجاتهم. فإذا قويت في قلب العارف لاح له من ربِّه اللطف الخفيُّ والنور الجليُّ، واستولى على قلبه حبه، واستأنس بذكره في الخلوات، وغلب نور قلبه على نور بصره؛ وظهر له المزيد من ربِّه.
جعلنا الله وإيَّاكم من أهل طاعته وتولاَّنا مع أهل رحمته.