الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٤الاستقرار والطمأنينة، وهو ما سوف يميِّز المغرب الإسلامي عموماً منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري إِلى أواخر القرن الثالث منه حوالي 767 - 900م، ماعدا بعض التمرُّدات أو الاضطرابات المحلية هنا أو هناك دون أن يكون لها طابع الشمولية أو الديمومة أو التغير الجذري لما هو قائم.
إنَّ هذا الرصد لأهمِّ مراحل تاريخ الشمال الإفريقي منذ الرومان والوندال فالبيزنطيين ثمَّ مرحلة الفتوح الإسلامية ثمَّ الولاة وأخيراً فترة الدول المستقلة، أردنا من خلاله رسم خطٍّ بياني لما تعرَّض له المغرب من هزَّات عنيفة وتغيرات جذرية نتيجة الموجات البشرية العسكرية والحضارية التي كانت تقتحم ميدانه من قرن إِلى آخر حتى استقرَّ به المطاف أخيراً مغرباً إسلامياً بكيانات إسلامية متعددة ومذاهب مختلفة وقبائل وشعوبا وعناصر متباينة متكاملة.
لقد تعرَّض المغرب إِلى هذه الهزات وأراد لنفسه ذلك بحثا عن العدل ورايته وتحطيماً للجور ورموزه فكأنَّه وجد بغيته في ظلِّ الإسلام أولاً وأخيراً، وفي ظلِّ الدول المستقلة التي أنشأها في مغاربه الثلاث الأدنى والأوسط والأقصى.
كيف كان العدل قائماً في العهد الإسلامي بهذه الديار؟ وكيف كان يقاوم سكان هذه البلاد الجور؟ تلك مسؤولية مؤسسة القضاء التي وضعها الإسلام عالية لا يعلو عليها أحد، تنفذ أحكامها على الجميع راع ورعية سيد ومسود على حدٍّ سواء … فهل كان القضاء فعلاً في المغرب الإسلامي على هذا الشكل؟ وهل كان متميزاً عما كان عليه قبل الإسلام في هذه الربوع؟ ذلك ما سوف نعرفه من خلال هذا البحث الذي يركِّز أساساً على القرنين الثاني والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد.