الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٥المبحث الأَوَّل: القضاء عند المدراريين
نظرا لتطرُّف المَغْرِب الأقصى جغرافيا، ومعاناته من مفاسد الإدارة الأُمَوِيَّة أكثر من سائر الأقاليم الأخرى، يقول الدكتور محمود إسماعيل: «وهذا يُفَسِّرُ سرَّ إقبال قبائله عَلَى اعتناق المذهب الخارجيِّ الصفري المتطرِّف، كما يُفَسِّرُ أَيضًا سبقها إلى إعلان الثورة عَلَى بني أمية، كذا سبقها فيِ تتويج ثوراتها بتأسيس دول مستقلَّة عن الخلافة الأُمَوِيَّة، ومِن بعدها العَبَّاسِيَّة»(1).
نعم لقد كان المغرب الأقصى السبَّاق إلى تأسيس الكيانات السِّيَاسِيَّة المعارضة للسلطة العَرَبِيَّة الإِسلاَمِيَّة فيِ إفريقية، والمحتمل منها أن تكون عادلة فيِ إدارتها، لأَنَّهَا إِنَّمَا تمرَّدت عن السلطة المركزيَّة بسبب جور هَذِهِ الأخيرة عَلَيْها.
نقول: المحتمل، لأَنَّهُ لم يصلنا عن دولة بني مدرار بالذات ما يثبت ذَلِكَ أو ينفيه من خلال مُؤَسَّسَة القضاء، أي السلطة القضائيَّة، أَمَّا مُؤَسَّسَة الإمامة، أو السلطة التنفيذيَّة فإنَّ المُؤَرِّخِينَ(2) تحدَّثوا عن عدل بعض الأيمة وجور البعض الآخر.
والغريب أَنَّ دولة بني مدرار التِي كانت دولة التجارة الرائجة(3) مع إفريقيا جنوب االصحراء فيِ الذهب والعبيد، وكانت الدولة التِي تحدَّث عنها ابن خلدون،
(1) - الأدارسة، 46.
(2) - ابن عذاري: البيان، 1/ 156 - 157. ابن الخطيب: أعمال، 3/ 140 - 148. ابن خلدون: العبر، 6/ 267 - 268. السجلماسي أحمد بن أبي محلي: تقييد فيِ التعريف بمدينة سجلماسة، (مخ)، الخزانة الملكيَّة، الرباط، رقم 12163ز، ق 1 - 3. وانظر: محمود إسماعيل: الخوارج، 82 وما بعدها. إبراهيم حركات: المَغْرِب عبر التاريخ، 1/ 102 - 103.
(3) - شنايت العيفه: دولة بني مدرار بسجلماسة، ودور تجارة القوافل فيِ ازدهارها الحضاريِّ، بين القرنين الثالث والرابع الهجريَّين، أطروحة. سبق ذكرها.