القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

الموضوعات شكَّلت محور القضايا المطروحة عَلَى القضاء الإدريسيِّ. فالظلم أنواع، ولا شَكَّ أَنَّ الاغتصاب واللصوصيَّة وقطع الطريق … نوع من أنواع الظلم الذي استشرى بين البربر، إذ يروي السنوسيُّ فيِ درره أَنَّهُ كان فيِ عهد إدريس الثاني وبالقرب من موقع فاس عبدٌ أسود اسمه علوان يقطع الطريق هناك، وكان الناس يتحاشون ذَلِكَ الموضع، ولا يمرُّون به خوفا ورهبا من علوان الأسود، فأمر إدريس بالقبض عَلَيْهِ «فأوتي به إليه فأمر بقتله وصلبه على شجرة هنالك»(1)، وعلَّق السنوسيُّ على هَذِهِ الرواية قائلا وكان هذا الإمام «ملازما لِلْحَقِّ … جاريا على قانون الشريعة فيِ أحكامه، لا يعدل عن الحقِّ ولا ينحرف عن السنَّة، فألف الناس منه ذلك حَتَّى عمَّهم الهناء وأمنوا الجور»(2).

إذن لقد تنوَّعت موضوعات القضاء، وتعدَّدت لطبيعة الفترة المبكِّرة نوعا ما بالنسبة لإسلام المغرب الأقصى، ولطبيعة التركيبة البشريَّة البربريَّة فيِ ذَلِكَ الإقليم من بلاد المَغْرِب الإِسْلاَمِيِّ.

إنَّ القضاء فيِ المَغْرِب الأقصى بقي فيِ جلِّه غامضا بسبب السكوت المطلق للمصادر وعموما فإنَّ العدل كان قائما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ اتِّصاف أغلب حكَّام دول المغرب الأقصى بالعدل والنزاهة والعمل عَلَى قمع الجور وأسبابه، وإن وجد من بينهم بعض الحكَّام الجائرين إِلاَّ أَنَّهُم شواذّ، ثُمَّ إنَّ فترات حكم أغلبهم كانت مديدة مِمَّا يَدُلُّ على رضاء الناس وسكونهم.

وإذا كان القضاء هكذا بالمغرب الأقصى، فكيف هو بالمغرب الأوسط عند الرُّستميين؟

(1) - الدرر السنيَّة، 85 - 86.

(2) - نفسه، 86.

١٥٣ / ٧٤٣