الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٢المهمُّ أَنَّ هناك خصومات تحتاج إلى من يقضي فيها ويحكم، وليس الأمر كما صوَّره ابن حوقل في القرن الرابع الهجري، نأتي به هاهنا استئناسا، لَمَّا قال بِأَنَّ المجتمع بسجلماسة يَتَّصِفُ بـ «سيادة فيِ الأفعال، وحسن كمال فيِ الأخلاق والأعمال … وإن كانت بينهم الحِنات والترات [كذا] القديمة تواضعوها عند الحاجة، واطَّرحوها رياسة وسماحة وكرمَ سجيَّةٍ تختصُّهم، وأدب نفوس وقف عَلَيْهِم بكثرة أسفارهم، وطول تغرُّبهم عن ديارهم … إلى سعة نفوس عالية، وهمم سامقة سامية»(1).
إنَّ هَذَا المجتمع المثاليَّ يُستبعد وجوده بِهَذِهِ الصفات من الكمال فيِ سجلماسة المدينة الصحراويَّة التجاريَّة، ذات الأجناس المختلفة، والمصالح المتضاربة، ولا أدلَّ عَلَى ذَلِكَ من الرواية الإِبَاضِيَّة سالفة الذكر التي تؤكِّد اختلاف أهل سجلماسة إلى حدِّ الاقتتال، هناك رواية شيعيَّة تذكر أَنَّ رجلا من أهل سجلماسة اشتكى لعبيد الله المهديِّ عند نزوله بسجلماسة اغتصاب إليسع بن مدرار لحائطه الذي ورثه عن أبيه فجدِّه، فأصبح يعمل عند إليسع أجيرا فيِ ذَلِكَ البستان(2). فلو صدَّقنا ابن حوقل لقلنا إذن لا يحتاج فيِ تلك "المدينة الفاضلة" إلى القاضي، وَهَذَا مستحيل فيِ رأيي، وإن لم نعثر عَلَى اسم قاض واحد عَلَى الأقلِّ عند المدراريِّين بعاصمتهم سجلماسة.
أَمَّا الأدارسة فَإِنَّنَا يمكن أن نلاحظ فيِ خطبة(3) إدريس الأَوَّل إشارات إلى مواضيع تناولها القضاء الإدريسيُّ، فالخطبة تتحدَّث عن رفع الظلم، وعن أرامل احتقرت، وحدود عطِّلت، ودماء سُفكت بغير حقٍّ، فَهَذِهِ
(1) - ابن حوقل أبو القاسم النصيبي: صورة الأَرض، مطبعة بريل، ليدن، ط2، 1938م، ص99.
(2) - اليماني محَمَّد بن محَمَّد: سيرة الحاجب جعفر، نشر إيفانوف، بمجلَّة كُلِّيَّة الآداب، جامعة فؤاد الأَوَّل، القاهرة، 1936م، المجَلَّد 4، 2/ 120.
(3) - علاَّل الفاسي وآخرون: الإمام إدريس، 18 - 22.