الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠إنَّ مشكلة تواريخ فترات القضاة تبرز بحدة عند الرّستميين فلقد أهملتها المصادر إهمالاً مطلقاً وإن احتفظت بأسماء القضاة، في حين هي عند الأغالبة أوضح وأدق وإن لاحظنا أنَّ فترات قضاة الأقاليم أقلّ عند المُؤَرِّخِينَ وأصحاب التراجم من فترات قضاة القيروان، ومع ذلك فهي أجدى وأنفع في مثل هذه الدراسة.
ولقد رأينا أنَّ القضاة اهتموا بِكُلِّ قضايا المجتمع وعرضت عليهم في مجالسهم مختلف الأقضية: اجتماعية من زواج وطلاق وميراث … واقتصادية من زراعة وتجارة … ومالية من ديون وإعارات … وأخلاقية من لصوصية وفحشاء ومناكر … بل وحتى ثقافية فكرية. لقد بت القضاة في الخصومات والمنازعات وأجلوا الغموض عن مبهمات الأحكام لمن وقف متقاضياً عندهم، فأخذوا الحقّ من الظالم للمظلوم ووضعوا موازين العدل في المجتمع إخلاصاً للعقيدة والدين وشرائعه.
وبرز من قضاة هذه الفترة، مجموعة معتبرة، بإنجازاتهم نذكر منهم أبا كريب جميل بن كريب المعافري، وعبد الله بن عمر بن غانم، وأسد بن الفرات، وسحنون بن سعيد، وسليمان بن عمران، ومحكّم الهواري، وعامر بن محمَّد بن سعيد القيسي وغيرهم …
إنَّه بات من المؤكد الآن، أن نقول إنَّ القضاء في بلاد المغرب قد عرفنا نشأته وبعض تطوراته، كما عرفنا نمادج من قضاته، ونمادج من موضوعات القضايا التي عرضت عليه، فلم يعد –في اعتقادنا– متداخلاً أو مبهماً غير واضح اللهمَّ إِلاَّ ماتعلق ببعض الكيانات وبخاصة في المغرب الأقصى، فإنَّه يبقى ينتظر الجديد من المخطوطات لإجلاء الغموض وكشف البهمة عنه. ولعلَّ أموراً جديدة وتفاصيل دقيقة أخرى، ستتكشف لنا شيئاً فشيئاً، من خلال مباحث وفصول الباب الثاني الموالي والمتعلِّق بالجهاز الإداري للقضاء في بلاد المغرب الإِسلاَمِي.