الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٠ولعل ذلك يعود بالدرجة الأولى إِلى أنَّ تعيين القضاة إنَّما هو بيد الخليفة(1) الذي يقرر مصير إدارة المغرب فيجعلها قطحانية إن كان ميله لها أو يجعلها عدنانية محضة أو يزوجها عدنانية قحطانية ولهذا رأينا أنَّ القضاء في بداية القرن الثاني الهجري كان عدنانيا طيلة ربع قرن مع ولاة عدنانيين بخاصة.
لقد كانت المرونة أوضح في عهد القطحانيين بحيث يمكن أن يكون القضاة من غيرهم في حين يكاد يستحيل أن يتولَّى قحطاني مع وال عدناني، ومن هنا أمكن أن يكون قضاة ما بعد منتصف القرن الثاني الهجري إِلى نهاية عهد الولاة من العدنانيين والقحطانيين(2) على حدٍّ سواء لأنَّ الفترة كانت في أغلبها للولاة المهالبة القحطانيين (155 - 178هـ/771 - 794م) من جهة، و لأنَّ الصراع العصبي قد خبت جذوته وفسح المجال واسعا للصراع المذهبي من جهة أخرى.
فالقضاة بغضِّ النظر عن عصبيتهم القيسية أو اليمنية كلهم عرب في عهد الولاة(3) باستثناء عبد الرحمن بن رستم ولقد عرض القضاء على فارسي هو عبد الله بن فروخ إلاَّ أنَّه أبى وأرغم على ذلك إبان عهد روح بن حاتم وجلس له يوماً واحداً فعوفي منه بعد ذلك ورغم أنَّ النصوص في المصادر تشير إِلى ورع وزهد عبد الله بن فروخ وشفقته على نفسه من مسؤولية القضاء(4) إلاَّ أنَّ الدكتور محمود إسماعيل يرى أنَّ ذلك الامتناع يندرج في إطار مقاطعة الفرس للإدارة العربية ببلاد
(1) - انظر المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب الثاني.
(2) - عن القضاة القحطانيين اليمنيين ومساهمتهم الحضارية في المغرب خلال القرون الهجرية الثلاثة الأولى انظر بوبة مجاني: أثر العرب اليمنية في تاريخ بلاد المغرب في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، رسالة ماجستير، إشراف د. محمَّد أمين صالح، جامعة القاهرة، قسم التاريخ، 1402هـ/1982م، ص193 - 210.
(3) - يؤكِّد الأستاذ فريد بن سليمان الأصل العربي لقضاة الولاة جميعهم باستثناء اثنين من الموالي وهو ما لا نراه. انظر المقال السابق، 123، 128.
(4) - أبو العرب: طبقات 107. المالكي: رياض 1/ 183 - 184. الدباغ: معالم 1/ 242.