الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٥٦إنَّه الشعر الذي يهتم بالقضاء في عدله وجوره، وكأنَّ الطرزي يذكِّر نفسه في مجلس قضائه بعاقبة الظلم والجور والمداهنة في القضاء.
وممَّا احتفظ لنا التاريخ من علاقة القضاء بالشعر هذه الرواية المجحفة في حقّ القاضي محمَّد بن عبد الله ابن عبدون الحنفي الذي يبدو شغوفا بالشعر وحفظه إذ سمع شعرًا مع مالكي هو سعيد بن محمَّد فحفظه سعيد ونسيه ابن عبدون فلمَّا طلب هذا الأخير إعادة قراءة الشعر عليه ليحفظه أو ليتلذَّذ بسماعه قال له سعيد: إن أقررت على نفسك أنَّك حمار أنشدتكهما، فقال: أنا حمار … »(1).
لقد رضي لنفسه أن يصفها بالحمار حبًّا في الشعر وسماعه الذي قلنا إنَّ بضاعته في بلاد المغرب الإسلامي كانت غير رائجة ويبرِّر محقِّقا كتاب «طبقات أبي العرب» ذلك قائلين علما بأنَّ إفريقية والمغرب كانوا «يتهافتون على العلوم النقليَّة ويحاولون التأليف فيها واجترارها ويرفضون كلّ نظرة عقلي أو نزعة فلسفية … فليس غريبا أن نجد عندهم صوت الشعر خافتًا وصوره باهتة … »(2) إنه العكس تماما لمَا كان عليه احتكاك الشعر بالقضاء في المشرق العربي.
أخيرا، إنَّ القضاء في بلاد المغرب الإسلامي ترك بصماته العميقة في الحياة الثقافية والفكرية، ساهم في مختلف جوانبها، في التعليم والتأليف والرواية، وكانوا السباقين في وضع الأسس الأولى مع غيرهم من الفقهاء لمدارس الفقه المغربية الإباضيَّة والحنفيَّة والمالكية. وتلك آثار كلُّها لا تزال تنبض بالحياة وبخاصة منها تلك المؤلفات العديدة وهي من العلم الباقي الذي يُنتفع بِهِ.