القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٥٥

وكان القاضي عبد الله بن عمر بن غانم عالما مُقدمًا، مع فصاحة اللسان وحسن بيان وبصر بِالعَرَبِيَّةِ «ذو رواية للشعر، وكان قائلا له حسن العلم به»(1)، ومثله القاضي، أبو محرز محمَّد بن عبد الله الكناني، أحد قضاة الأغالبة الأوائل، كان «فصيح اللسان، بصيرا باللغة والشعر … يصنع الشعر ويجيده»(2).

وكان ابن غانم، كثيرا ما ينشد هذين البيتين في مجلسه(3)

إذا انقرضت عنِّي من العيش مُدَّتي فإِنَّ غَناء الباكيات قليل

سيُعرض عن ذكري وتُنسى موَدَّتي ويحدث بعدي للخليل خليل

لقدكان مهتما بنفسه في حياته(4)، وبعد مماته، فكأنَّه كان يخاف أن يُعرض عن ذكره وتنسى مآثره، وهو الأمر الذي لم يحدث، إذ احتفظ المؤرِّخون وأصحاب التراجم بترجمة وافية عنه، ثمَّ لعلَّ هذا البحث يساهم بنصيبه في المحافظة على مآثر هذا القاضي المخضرم.

ومثل ابن غانم في إنشاده للبيتين المذكورين بكثرة. كان القاضي أبو القاسم محمَّد بن محمَّد بن خالد القبسي، المعروف بالطرزي قاضي صقلية (ت317هـ/929م)، كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين في مجلس أحكامه(5):

إذا خان الأمير وكاتباه … وقاضي الأرض داهن في القضاء

فويل للأميروكاتبيه … وقاضي الأرض من قاضي السماء

(1) - الرقيق نفسه: 141 - 142.

(2) - الدباغ: معالم، 2/ 30.

(3) - نفسه: 1/ 306. والبيتان لأبي العتاهية، أنظر هامش 3.

(4) - يذكر أنَّه من أحسن الناس همَّة في نفسه، خلَّف بعد وفاته كسوة ظهره بألف دينار. المالكي: رياض، 1/ 219. الدباغ: معالم، 1/ 306.

(5) - الدباغ: معالم، 3/ 10.

٥٦٢ / ٧٤٣