الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري
الجزء ١ · صفحة ١١٣فلو حدّثت أيّ عالم مهما بلغ من الحصافة والألمعية وسعة الإدراك قبل بنصف قرن عن جهاز الراديو ونقله للأصوات من مسافات شهور بل أعوام في أقلّ من لمح البصر لعدّ كلامك من الهذيان وسخف القول لا يصدّقه إلاّ أحمق مافون، أمّا إذا حدّثته عن التلفزيون فإنّ ذلك الشخص الذي كنت تسمع صوته من وراء القارات أصبحت تشاهد شخصه على الشاشة وتعاين تحرّك شفتيه لدى النطق، وتدرك في ملامحه أمارات الدهشة والاستغراب والغضب، وأمارات السرور والضحك والانبساط، ولو حدّثه عن ذلك لأشاح عنك بوجهه استغرابا أن يمرّ ببالك هذا الخاطر فضلا أن يصدّقه أو يتحدّث به.
ثمّ ماذا عسى أن أقول عن الصواريخ (اسبوتنيكات) التي غزت الفضاء ووالت دوراتها حول الأرض بسرعة مدهشة يشاهد طيارها ما يمرّ عليه ويلتقط صورها ويذيعها من علياه إلى الأرض، ونجده أحيانا يفارق مركزه ثمّ تعيده جاذبية السرعة إليه، وعليه فلا نستغرب إذا رأينا الإنسان يتطلّع بحماس إلى استجلاء غامض الكون، ويحاول النزول بل الاستيلاء على القمر، وليس ببعيد أن يبلغ ما كنّا نحكم باستحالته بعد أن سخّر له فهم أسرار الكون تهتكت أمام عقله الجبّار محجباته، وأصبحنا ندرك بحقّ مدى امتنان الله على بني آدم أن يقول: ﴿ ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيّبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا ﴾ [الإسراء: 70].