الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري
الجزء ١ · صفحة ١١٥ودليلي على صدق النظرية الواقع، فكم من أشياء كانت مستبعدة جدّا حتّى كادت تكون مستحيلة أصبحت الآن واقعية عادية، وما المانع أن يكون حاضرنا بالنسبة للمستقبل كالماضي بالنسبة إلى الحاضر، ليت شعري نطقت الشرائع بالبرابخ والفراسخ من ثلج وبخار بين السماء والأرض، وقاس استحالة صعود الإنسان إلى السماء بمنع الشياطين تسترق السمع والشهب الثواقب، لكن لو كانت هناك طبقة نارية على سطح الأرض الأعلى لما احتيج إلى إرسال الشهب على الشياطين، ولكانوا احترقوا إذا اخترقوا هذه الطبقة، وهذا الدليل الذي ساقه ربّما كان على عكس مقصده أدلّ، وما دليله على أنّ المصدق بجواز بلوغ الإنسان القمر كافر ومكذّب بالرسل؟ حقّا إنّ انكباب الشيخ خلفان وإضرابه على دراسة الشريعة والإقبال على علوم الدين واعتزالهم ضوضاء العالم وتتبّع تطوراته، وما يستجدّ فيه من اختراعات واكتشافات جعلهم يعيشون في عالم غير العالم المادّي الذي يعيش فيه الناس وتتسابق في ميدانه الدول فلا غرو إذا رأيناهم لا يعرفون إلاّ من غضون الكتب المحشوة بالإسرائليات والنظريات القديمة التي نسختها الأيام بحوادثها ومجرياتها فبدّلت الأرض غير الأرض والسماوات، ولا يدري إلاّ الله أين يبلغ بالإنسان تطلّعه ومنافسته في استجلاء الغامض ممّا أودع الله بعض عوالمه، وكلّ ذلك يدلّ على عظمة الخالق وقدرته الكاملة، فقد جعل في الإنسان الضعيف قوّة مدهشة هي العقل سخّر لها عوالم كبرى إذا قيس هو بها كان ذرة هباء في فضائه الواسع.
على أنّ جهل ذلك لا يضرّه لو لم يقترف بأن حكم بكفر من يقول بذلك واعتباره إيّاه مكذّبا بالرسل. لا إله إلا أنت ما أعظم سلطانك وأعزّ شأنك وأصدق كلامك إذْ تقول: ﴿ ويخلق مالا تعلمون ﴾ . [النحل: 8].
السؤال مائة وثمان وأربعون