الأسئلة والأجوبة النثرية (نثر فتاوى السيابي، تحقيق البكري) عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري

الجزء ١ · صفحة ٢٦

يفهم من هذا أن التشريع الإسلامي ينزع بالناس إلى حياة الحضارة والرقي في ميدان الدين والعلم والاجتماع، وذلك لا يتأتّى إلاّ حيث احتكاك الطبقات وحيث الحياة المستقرة. »ولا غرو فالإنسان مدني بطبعه«.

ولذلك نرى العلماء أيضا ينزعون في أحكامهم إزاء سكان البوادي إلى التشديد والمضايقة على الحضري أن يزوّج وليته لبدوي وإلاّ باء بإثم مبين.

ولئن ساغ لهم فيما مضى -حبا- في تكتيل الأمّة وتطويرها وإبراز شخصيتها أمام دول العالم أن يقفوا معهم هذا الموقف الصارم. فلن يسوغ فيما أرى أن نظل دائما ننظر إليهم بالنظر الأوّل -يوم كان شطر من الأمّة يعيشون أوزاعا في أنحاء مختلفة من البوادي المترامية تحت الخيام عيشة بدائية ضيّقة- بعد أن أصبحت الحكومات ترغب في استثمار الأراضي الغامرة. وتعتني باستخراج خيراتها وبتجهيزها بوسائل العصر الحديثة: تعبّد طرقاتها -وتسهّل مواصلاتها المقرّبة للمسافات البعيدة. فتصل بين أجزائها المتقطعة. وتدني نواحي لم يكونوا بالغيها إلاّ بشقّ الأنفس بحيث تصبح البوادي المحيطة بمدينة من المدن الكبار كأرض لها، تقسم إلى ضياع وعزبات. يستثمرها أصحابها وجه النهار ثمّ يعودون إلى المدينة آخره، ولم تعد بعد حياة البادية تحت الخيام يطيقها من كان يعيش فيها. فضلا عن غيرهم. وأصبح الناس -بحكم الحياة العصرية وتوفّر أسبابها- حضريين تلقائيا، و إذا ما بقيت بقية على عهد بداوتها فأولئك يعتبرون كرعاة لأغنامهم. وأقلية ضئيلة لا يؤبه لها ولا يؤثر وجودها في حياة الأمّة العامّة وتشريع أحكامها.

٢٦ / ١٣٥