الأسئلة والأجوبة النثرية (نثر فتاوى السيابي، تحقيق البكري) عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

الأسئلة والأجوبة النثرية للبكري

الجزء ١ · صفحة ٢٥

حقّا إنّ حياة البادية حياة جفاء إقليمية ضيّقة وانعزال وعدم استقرار، لا تساعد على إقامة الدين ولا على تحقيق وحدة الأمّة. أو صيانة كيانها. حياة جمود على ما مرن عليه سكانها. من سوء أخلاق. وفساد عادات. وحمية وعصبية متوارثة. يرتبطون بحياة مواشيهم، وينتجعون من أجلها مساقط الغيث ومواقع الكلأ. فهم مصروفون غالبا عن الاهتمام بتزكية نفوسهم وتنوير عقولهم. وترقيتها لكي يتأهلوا للقيام بواجبهم الاجتماعي. فالاختلاط الذي يلقّح الأفكار. ويبعث على اقتباس المعارف والمحاسن. ويحمل النفس على ما تدعو إليه مصلحة الفرد والمجموع مفقود فيها إلاّ قليلا. لذلك لا يعوّل عليهم في إقامة دعائم الملك وتزجية ركب الحياة، والمشاركة كعضو عامل على تطويرها دينا وعلما وخلقا.

لا ننكر أنّ في حياة البادية مزايا لا توجد في الحضر كحفظ اللغة وحفظ الصحة، وسلامة الأنساب والتربية على الحرية والشجاعة، ورغم ذلك نجد الشارع الحكيم يرغب عن حياة البادية بقوله: »ساكن الكفور كساكن القبور« وقوله: »من بدا جفا« ويمنع شهادة البدوي على الحضري »لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية«. وحسبك أنّ الله لم يبعث رسولا في بدو ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى ﴾ [يوسف: 109]. وإنّ نبي الله يوسف الصديق - عليه السلام - عدّ من منن الله عليه إرجاع آل يعقوب من البدو ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ [يوسف: 100] قال - صلى الله عليه وسلم - : »لقد هممت أن لا أقبل هدية إلاّ من قريشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي«(1) لأنّ، هؤلاء كانوا يسكنون المدن، مكّة والطائف، والمدينة واليمن فهم ألطف أخلاقا من الأعراب، لما في طباع الأعراب من الجفاء إلى غير ذلك.

(1) - رواه النسائي عن أبي هريرة كتاب العمرى باب عطية المرأة رقم 3768.

٢٥ / ١٣٥