سؤال أهل الذكر13
الجزء ١ · صفحة ٣التواصل مع بني جنسه وهذا الأمر لا يقف في حدود القطر الواحد أو المجتمع الواحد ، بل ولا يقف في حدود الجيل الواحد ، وإنما هو يمتد عبر الأجيال المتسلسلة ، ومن أجل هذا هيأ الله سبحانه وتعالى الوسائل المختلفة من أجل نقل المعلومات من جيل إلى جيل كما أنها تنقل المعلومات أيضاً من قطر إلى قطر ، فنطق الإنسان الطبيعي بلسانه لا يمتد إلا إلى مسافة محدودة ، ولكن يمكن أن يمتد ما يشبه النطق وهو التسجيل بالقلم حتى يكون مفهوماً عبر الأجيال المتسلسلة ، فالقارئ يقرأ ما كتبه من سبقه بقرون وكأنه يعايشه بحيث يطلع على ما كانت عليه رغباته وعلى ميوله وعلى مشاعره وأحاسيسه وعلى أفكاره وكأنما هو ينادمه لا يفصل بينه وبينه شيء .
كذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون حياة هذا الإنسان حياة تطور ، تطور لا يقف عند حد ، وهذا التطور يسير سيراً حثيثاً ، ولئن كان التطور عبر القرون السابقة كان بمقدار وسائل النقل في ذلك الوقت بحيث كان التطور لا يعدو أن يكون في سرعة من يمشي ركضاً أو من يركض ركضاً فإن التطور في وقتنا هذا يكاد يكون يصل إلى حد سرعة الضوء ، فإن المسافات تطوى بسرعة ، ومن بين هذه التطورات التي حصلت وجود هذه الوسائل التي تنقل الأفكار والمعلومات بل وتنقل المشاهد من أماكن إلى أماكن بعيدة حتى أصبح العالم بأسره بترامي أطرافه وكأنما هو غرفة واحدة يطلع الإنسان على ما يجري فيها ، وهذا كله مما يدعو الإنسان إلى أن يتفكر في هذه الموهبة العظيمة التي منحها ، وما هي إلا ابتلاء من الله يبتليه الله سبحانه وتعالى أيشكر أم يكفر ، فالشكر إنما هو استخدام هذه النعمة فيما خلقت من أجله ، والكفر إنما صرف هذه النعمة باستخدامها فيما لا يرضي المنعم بها تبارك وتعالى .
ومن هنا كانت الضرورة داعية إلى أن يحرص الإنسان الذي يدرك ذلك وهو المسلم على أن يستخدم هذه النعمة في هداية القطعان البشرية الحائرة الضالة ، فإن الإنسان المسلم صاحب رسالة فهو مسئول عن تبليغ هذه الرسالة إلى آفاق الأرض كلها ذلك لأن الله تبارك وتعالى أورث المسلم مواريث النبوة ، والأنبياء إنما جاءوا من أجل هداية الخلق أرسلهم الله سبحانه وتعالى مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة ، وجمع الله سبحانه وتعالى ما تفرق من رسالاتهم في الرسالة الخاتمة الجامعة التي بعث بها عبده ورسوله محمداً عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام ، فهي منطوية على كل خير وأمته خير أمة أخرجت للناس ، ولكن متى تكون هذه الخيرية ؟ إنما تكون هذه الخيرية عندما تكون أمة ملتزمة ، أمة تعمل بأمر الله ، وتحرص على اتباع هدي رسوله صلى الله عليه وسلّم ، وذلك بأن تتحمل هذه الرسالة لتبلغها إلى الناس أجمعين ، ومن هنا وجدنا أن الحق سبحانه وتعالى يبين ميزة هذه الأمة إذ يقول ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)(آل عمران: من الآية110) ، فهي أمة خيرة ، وخيريتها إنما تكون عندما تكون ملتزمة بهذا الأمر وذلك بأن تحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تبني ذلك كله على الإيمان بالله .
وقد فرض الله تعالى عليها أن تكون أمة هذا شأنها عندما قال سبحانه وتعالى ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104) ، ولا ريب أن السلف الصالح أدركوا هذه المسئولية فلذلك قاموا بنشر هذا الحق فانطلقوا في أرجاء الأرض وكأنما كل واحد منهم رسول إلى أمة يتلو عليها كتاب ربها سبحانه