دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي مصطفى بن محمد شريفي

دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الإيمان بالقضاء والقدر

أَوَّلاً - تمهيد:

لقد استنفد المسلمون جهدا كبيرا، ودهرا طويلا، وهم يجادلون في موضوع القضاء والقدر، فأعطوه الصبغة الفلسفية أحيانا، وأقحموا العقل أحيانا في ما لا طائل من ورائه، حَتَّى شغلت الكثير عن القضايا والأهداف الأَسَاسِيَّة للإسلام.

ثانيا - المعاني اللغوية للقضاء والقدر:

للقضاء معان لغوية مُتَعَدِّدَة، منها:

1 - الخلق، كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (فصلت: 12).

2 - الحُكم: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (يونس: 93).

3 - الأمر: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23).

4 - الإخبار والإعلام، كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ … ﴾ (الإسراء: 4).

وللقدر كَذَلِكَ معان مُتَعَدِّدَة منها:

1 - الخلق: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (الأعلى: 3).

2 - الحساب والميزان الدقيق: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾ (المؤمنون: 18)، أي بمقدار محدَّد.

3 - التضييق: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: 7).

4 - الوجود: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (النمل: 57).

ثالثا - المعنى الاصطلاحي للقضاء والقدر:

القضاء شرعا: هو حكم الله تَعَالىَ عَلَى الأشياء في الأزل، وَكِتَابتها في اللوح المحفوظ.

والقدر: هو إخراجها إِلىَ الوجود في أوقاتها المحدَّدة لها حسب علم الله، ووفق مَا هو مكتوب في اللوح المحفوظ.

ومن العلماء من يعكس تعريفهما، ومنهم من يجعلهما بمعنى واحد.

رابعا - وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:

الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول الدين، وركن من أركان الإيمان، والدَّلِيل عَلَى وجوب الإيمان بهما من العقل والنقل:

أ- من النقل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49). وقال ﴿قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: 51).

وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ وَلَنْ تُؤْمِنَ وَتَبْلُغَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ خَيْرَ الْقَدَرِ وَشَرَّهُ؟ قَالَ: "تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ