دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي
الجزء ١ · صفحة ٦٦سُلْطَانًا غَشُومًا لِلنَّاسِ، وَرَجُلاً لاَ يُرَاقِبُ اللَّهَ فِي الْيَتِيمِ" (1). فَهَذِهِ بتلك، عَلَى أَنَّ هَذِهِ قد عضدها الكِتَاب الكريم، وتلك قد خالفته، فوجب:
- إِمَّا القول بوضع تلك الرواية، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر لتقرَّب إِلَيْهِ المتقرِّبون بالكبائر.
- وَإِمَّا أَنَّهَا معلَّقة بشرط دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَاب، وهو إذا ماتوا تائبين منها. والفائدة من تخصيصهم بالذكر في سياق الشفاعة دفع إياسهم من رحمة الله عَزَّ وَجَلَّ، وتسهيل الطريق لهم إِلىَ التوبة، عملا بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون … ﴾ إلخ الآيات (الزمر: 53 - 55).
حادي عشر - الخلود
افترقت الأُمَّة في أهل الجَنَّة والنار عَلَى أربع فرق:
- الأولى: وهي الجهمية، زعمت أَنَّ الجَنَّة والنار فانيتان بعد دخول أهلها فيهما (مشركين وعصاة). ولا داعي لمناقشة هَذَا الرأي لمخالفته صريحَ القرآن وَالسُّنَّة بخلودهما، ولعدم وجود هَذِهِ الفرقة.
- الثانية: زعمت أَنَّ الخلود في الجَنَّة فقط دون النار، وتشبثوا برواية جاء فيها: "ليأتينَّ عَلَى جَهَنَّم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد … ".
والجواب عَلَى الرواية أَنَّهَا - فضلا عَمَّا في متنها وسندها من نكارة - آحادية لا تقوى عَلَى معارضة القطعي من القرآن وَالسُّنَّة، منها قَوله تَعَالىَ: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلآَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلَ اَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 80 - 81).
- الثالثة: وهم أغلب المسمَّون بأهل السنة، ذهبوا إِلىَ أَنَّ أهل الجَنَّة والمشركين من أهل النار مخلَّدون فيهما، وزعموا أَنَّ أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار إِلىَ الجَنَّة، وأَنَّ من مات عَلَى كبيرة لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: إِمَّا أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو يعذَّب مقدار عمله ثُمَّ يخرج فيدخل الجَنَّة. وزعم بعضهم أَنَّهُ يكتب عَلَى جباههم: "هَؤُلاَءِ جَهَنَّميُّون فيعيِّرهم أهل الجَنَّة عَلَى ذَلِكَ، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم مكانه نورا يتلألأ فيودُّ أهل الجَنَّة أن لو عملوا كعملهم".
قال الشيخ السالمي: "وَهَذَا … عين المحال بِأَن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب الله ناطق بخلاف ما زعموا، قَالَ تَعَالىَ: ﴿أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ (السجدة: 18)، وقال تَعَالىَ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 35 - 36)، وقال تَعَالىَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَآءٌ مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21).
- الرابعة: وهم الإِبَاضِيَّة والمعتزلة فقد اعتمدوا عَلَى صريح القرآن وصحيح السنة، وقالوا: إِنَّ من مات عَلَى عصيان
(1) … رواه الربيع في الأَخْبَار الْمَقَاطِيع عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، رقم 1002.