دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي مصطفى بن محمد شريفي

دروس في أصول الدين للمستوى الثانوي

الجزء ١ · صفحة ٨

قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30).

إنَّ التديُّن أمر فطريٌّ في الإنسان، فقد نجد مجتمعات دون فنون ولا فلسفات … ولكن لا نجد مجتمعا دون معابد وطقوس.

وتتجلَّى الفطرة عند الشدائد، فإنَّ المضطرَّ حينئذ (مهما كان كفره) لا يلتجئ إلا إلى الله وحده، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمُ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم … ﴾ (يونس: 22 ـ 23).

ب- العقل:

يستطيع العقل أن يدرك عظمة الله من خلال آثاره؛ لذلك فقد دعا القرآن الكريم والرسول الأمين * إلى التأمُّل في الآفاق وفي الأنفس، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21)، ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164). والاكتشافات العلمية الحديثة تزيدنا إيمانا ويقينا.

ولكنَّ العقل محدود القُوَى؛ لذا يستحيل أن يدرك كُنْهَ الله (أي حقيقته)؛ وقد روي عن رسول الله * أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ … » (1).

جـ- الوحي:

بما أنَّ عقلنا محدود، فإنَّ الوحي يخبرنا بما لا نتوصَّل إليه بالعقل فقط، كالغيبيَّات (اليوم الآخر، الملائكة … )، وكصفات الله وأسمائه، وشعائر عبادته (1)، ومقياس الخير والشرِّ، وجواب الأسئلة المحيِّرة للإنسان … فالوحي بالنسبة للعقل كالنور للعين.

5 - عوارض الإيمان:

رغم أنَّ التديُّن فطريٌّ، ورغم أنَّ العقل يستطيع أن يتوصَّل إلى الإيمان بوجود خالق عظيم مدبِّر لهذا الكون، إلا أن الإنسان قد تعترضه أمور تنحرف به عن الصواب، منها: الشيطان، هوى النفس، حبُّ الدنيا، الكِبْر، طول الأمد وعدم التذكير والغفلة، هجران القرآن، قرناء السوء، الانسياق الجماعي …

(1) … الربيع، ج 3، بَاب [5] السُّنَّةِ فِي التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فِيمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى * وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، رقم 823.

(1) … لو تُرك أمر العبادة للعقل البشري وحده لضلَّ، ولَعمل أمورا يَظُنُّها تقربا إِلىَ الله بينما هي كفر صراح، أو معصية، مثال ذَلِكَ: عبادة الأصنام التي اعتقد فيها عبَّادها أَنَّهَا تقربهم إِلىَ الله، بدعوى أَنَّهَا طاهرة من كُلِّ معصية، أو أَنَّهَا ترمز إِلىَ عباد صالحين يستشفعون بهم إِلىَ الله. وكالطواف عراة بدعوى التقرب إِلىَ الله عَلَى الهيئة التي خُلقوا بها دون الثياب التي عصوا الله فيها، إِلىَ غير ذَلِكَ مِمَّا تزينه النفس والشيطان من مبررات للمعاصي …