كتاب الرد على جميع المخالفين لأبي خزر تحقيق النامي
الجزء ١ · صفحة ١١٥الحركة التعليميّة ما كان عليه أبو القاسم بن مخلد من اليُسر وسَعة ذات اليد، حيث يقوم بأمر الطلبة وما يحتاجون إليه من نفقة.(1)
وكان من سيرة الشّيخين التنقّل في أحياء مزاتة مع طلبتهم في فصل الربيع، ينزلون ضيوفا على تلك الأحياء، يُعلّمون العلمَ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما هي عادة الأشياخ والطلبة،(2) ولا نعلم مدّة هذه المرحلة من حياة أبي خزر، إلاّ أنّها بلغت نهايتها حين ارتاب السلطان العبيدي في نوايا أبي القاسم يزيد بن مخلد، وشعر منه بما أقلقه؛ إذ توجّس منه القيام ضدّه والوثوب عليه، لِمَا يراه من طاعة جموع الإباضّية له واِلتفافهم حوله، ولِما كان عليه من الجاه والعلم والفضل بين إباضيّة المغرب …
ويظهر أنّ أسباب النفور من سلطان العبيديين كانت متأصّلة في أهل إفريقية، فقد واجه العبيديون قبل ذلك ثورةً جامحة قادها ضدّهم أبو يزيد مخلد ابن كيداد، فاكتسح معظم مناطق نفوذهم وحصرهم في المهديّة، ولكنّه أساء السيرة وارتكب شنائع كثيرة جعلته محلّ نقمة النّاس -خصوصا الإباضيّة الوهبية- فوقفوا من ثورته موقف المحايد الذي يرى الفريقين سواء في فساد السيرة وتنكّبهم للسيرة القويمة في الحُكم، ومخالفة أحكام الإسلام في ذلك.(3)
وتُورِد المصارد الإباضيّة عبارة لأبي القاسم يزيد بن مخلد حول ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد يقول فيها: «لقد فتح فيهم أبو يزيد فتحا لو أحسن السيرة».(4) وتُظهِر هذه العبارة ميل الشيخ إلى التخلّص من سلطان العبيديين، وإلى ترحيبه بتغيير ذلك السلطان، ولكن على أُسُس سليمة وسيرة مرضيّة غير ما عرف عن حركة مخلّد بن كيداد.
وقد أحسّ أبو تميم سلطان العبيديين شيئا من الخطر في تحرّكات أبي القاسم، والتفاف الإباضيّة حوله لِمَا له من مقوّمات الرئاسة، وقد وصفه مرّة فقال: «أمّا يزيد بن مخلد فلم تَلِد العرب مثله».(5) ولم يترك أبو تميم الأمر يأخذ مداه؛ فبادر بالقيام بالتدبير الذي كان يظنّه حاسِما للأمر قبل أن يتفاقم،
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 120؛ الشمّاخي: السير، ص 346.
(2) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 121؛ الشمّاخي: السير، ص 347.
(3) - اُنظر أخبار يزيد مخلد بن كيداد في: أبي زكرياء: السيرة، تحقيق إسماعيل العربي، ص 136.
(4) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 101.
(5) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 123؛ الشمّاخي: السير، ص 249، 349.