كتاب الرد على جميع المخالفين لأبي خزر تحقيق النامي
الجزء ١ · صفحة ١١٧واصل رحلته إلى جبل نفوسة حيث أقام به في حماية حاكم الجبل آنذاك أبي زكرياء بن أبي عبد الله بن أبي عمر بن أبي منصور إلياس.(1)
ورحل أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى بادية قومه وأقام بها متنكّرا في زيّ الرعاة، ولكنّ جواسيس أبي تميم اكتشفته وجاءوا به إلى أبي تميم فسلك معه مسلك الملاينة والاِستمالة، وقرّبه إليه ورفع مكانه، واستشاره في أمر أبي خزر، وإن كان يخشى أمره، فقد كان يخشى أن يُعاود الثورة وأن يسعى فيها مرّة أخرى، فقال له أبو نوح: إن كان من مولانا أمان عام شمل النّاس في بلادهم فلا يخشى أمره، فاستبان أبو تميم النّصيحة فيما أشار به أبو نوح وأرسل بالأمان في جميع البلاد الإباضية الوهبيّة(2) وأمَّن أبا خزر واستدعاه إليه، فقدِم عليه من جبل نفوسة في 21 ربيع الآخر سنة 359 هـ،(3) وأقام معه في غاية من الإكرام وعلوّ المنزلة. وعندما عزم أبو تميم على الاِنتقال إلى مصر، كان من تدبيره أخذ الشخصيّة أبا خزر وأبا نوح معه، أمّا أبو نوح فقد احتال لنفسه واغتسل بماء النخالة فظهر عليه الاِصفرار الشديد، واعتذر بأنّه مريض لا يقدر على الرحلة، وقبل أبو خزر الذهاب مع أبي تميم إلى مصر، ولعلّه لم يجد بدًّا من ذلك.(4) وقد ذكر الدرجيني أنّ أبا تميم احتاط لملكه بأخذ الشيخين معه «لئلاّ يكون منهما بعده في المغرب خروج عن طاعته».(5) وأمضى أبو خزر بقيّة حياته في مصر، وكان في حال الرخاء وطيب العيش حتّى إنّه كان يتمنّى أن يكون عنده عشرون من طلبة أهل الدعوة يُعلِّمهم ويُنفِق عليهم ويقوم بما يلزمهم.(6)
وتوفّي أبو خزر بمصر سنة 380 هـ بعد حياة حافلة مليئة، ولم يترك من المؤلَّفات شيئا غير هذا الكتاب، وبعض الأقوال والمناقشات المنثورة هنا وهناك في كتب الفقه والسِّيَر والكلام.
وقد وصفه أبو تميم مرّة فقال: «أمّا أبو خزر فعالم ورع».(7) وقال عنه صاحبه وتلميذه أبو نوح: «كان أبو خزر أَوْرَعَ النّاس، فما سمع شيئا قطّ إلاّ
(1) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 128، 130؛ الشمّاخي: السير، ص 350.
(2) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 135؛ الشمّاخي: السير، ص 353.
(3) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 137.
(4) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 138؛ الشمّاخي: السير، ص 354.
(5) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 138؛ الشمّاخي: السير، ص354.
(6) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 141؛ الشمّاخي: السير، ص 355.
(7) - الدّرجيني: الطّبقات، 1/ 142؛ الشمّاخي: السير، ص 123.