لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟
[جواب لسؤال طرحه علي أحد الطلبة]
- الجواب البدهي هو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات: 56). ولكن أليست الملائكة أعظم المخلوقات عبادة؟ فقد لا يقتنع المجادل بهذا الجواب.
- الله تعالى خَلَقَنَا لعبادته، ولا نتصور إلها بدون عبادة، وإلا فَقَدَ صفة الألوهية. وإن هناك صفات لله تعالى، وله كل صفات الكمال، لا تظهر إلا بعد استيفاء جميع أنواع المخلوقات: مخلوقات لها عقول بلا شهوات (الملائكة)، ومخلوقات لها شهوات وغرائز بلا عقول (البهائم)، ومخلوقات لها عقول وشهوات (الإنسان). ومن الصفات التي تظهر: العدل، الجبار، الرحمن الرحيم، العزيز، المتكبر …
- والإنسان مخلوق ضعيف أمام النوازع النفسية؛ لذلك فهو بفطرته محتاج إلى الاستناد إلى قوة عظمى يلجأ إليها عند الملمات.
- الله خالقنا، باعتراف أكثر الكفار، وبما أنه صانعنا فهو أدرى بما يصلح لِمَا صنعه، وما يصلح للبشر هو خضوعهم وعبادتهم لله خالقهم، أعظم قوة في العالم.
- إن عبادة الله ليست محصورة في العلاقة بين الإنسان والله، وإنما هي تتجلى في كل شيء، في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وبالحيوان، وبالنبات، وحتى الجماد (المحافظة على البيئة … ). لذلك فالعبادة إذن هي في صالح الإنسان، والله غني عنا.
- إن تميز الإنسان بالعقل عن سائر الكائنات، فكان مسخِّرا لا مسخَّرا، وقائدا لا مقودا … كلها تمييزات مُنحت للإنسان دون سعي منه؛ ألا تستحق هذه التكريمات منَّا شكرًا واستغلالاً فيما يصلح الكون ولا يفسده؟ وما يصلحه هو ما شرعه الله لأنه أدرى بنا من أنفسنا.
إذا لم تقنعك هذه الأجوبة، فلتضع في ذهنك مسلمتين أساسيتين، هما:
• إن الله حكيم، ولا يفعل شيئا عبثا، وحكمته أعلى من حكمتنا، وعلمه أعلى من علمنا، ولا نسبة ولا مناسبة بينهما.
• أن علم الإنسان محدود جدا، وأن ما جهله أكثر وأعظم مما علمه بكثير …
وبالتالي فإذا نحن لم نصل إلى حكمة الله من خلق الإنسان - رغم هذه الإيضاحات - فهل نتصور أن الله عابث بخلقنا؟ فلنتَّهم عقولنا القاصرة ولا نتهم الله تعالى. ولنضع في ذهننا القاعدة: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 23). وهنا يطمئن قلبك. وتعمل للنجاة بنفسك يوم لا ينفع فيه ما ولا بنون، ولا تنفع فيه هذه الاعتذارات، ويقال لأهل النار: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكِ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ـ اخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ قُلْ يَا قَوْمِ اِعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمُ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)﴾ (سورة الأعراف).
لماذا يدافع الإنسان عن الله، ويموت من أجله؟
- إن هذا الدفاع ليس عن الله، وإنما لردِّ تفكير المنحرفين إلى صوابهم، فلا يُعقل أن يبقى الإنسان مخطئا لا مصوِّب له، وظالما لا رادع له، ومظلوما لا مدافع عنه، ومفسدا لا موجِّه له إلى الإصلاح … وموت الإنسان في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله هو في صالح الإنسان، وهو حياة له