لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ مصطفى بن محمد شريفي

لماذا خلقنا الله وهو غني عنا؟ لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ٦

و لأن كلا منا يخفي حقيقته وراء أقنعة غليظة من الشعارات و الأكاذيب، و يسدل على وجهه حجابا من الافتعال و التمثيل و بسمات النفاق و الملاطفة و المجاملة.

فكان لابد من حادث عنيف ليخترق هذه الحجب.

و الدنيا كانت ذلك الحادث.

لقد أخرجنا الله من العدم و كان كل منا حقيقة مكنونة، و أعطى كلا منا اليد و القدم ليضر و ينفع.

فأما الذين تحروا النفع و البر و الخير فهم أهله .. و مأواهم إلى ظله يوم لا ظل إلا ظله.

و أما أهل الضرر و الأذى و الظلم فهم المبعدون عنه و عن رحمته .. و البعد عن الله نار .. لأن كل ما سوى الله نار ..

و علامة أهل الله هي عرفانهم لربهم من قبل لقائه .. أن يعرفوه في هذه الدنيا .. و أن يشهدوا الدنيا دالة عليه.

و كلام القرآن بأن الله خلقنا لنعبده هو كلام يشتمل على كل هذه المعاني السالفة في باطنه.

و حينما تقول الآيات.

((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56))) [الذاريات]

فإنها تعني بداهة.

(و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعرفون).

لأنه لا عبادة بلا معرفة.

و المعنى أنه خلقنا لنعرفه، فإذا عرفناه عبدناه .. و إذا عبدناه تفاضلت عباداتنا، و تفاضل إيماننا و إنكارنا، و تفاضلت منازلنا .. و بالتالي تفاضلت استحقاقاتنا حسب ما نتعرض له من امتحانات في الدنيا .. و بالتالي تفاضل العطاء من المعطي.

و عطاء الله مبذول للكل.

((كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (20))) [الإسراء]

فالله خلق ليعطي .. و كلنا مستحقون للعطاء بحكم رتبة العبودية، و كل هذه المعاني باطنة في كلمة ((ليعبدون)).

((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56))) [الذاريات]

أما الذي يقول: إن الله خلقنا لأنه خالق و لابد للخالق أن يخلق، فقد أوجب على الله أن يخلق هذا أو يخلق ذاك ..

و لا حق لأحد أن يوجب على الله شيئا.

و لا يوجد قانون يوجب على الله شيئا.

لأنه لا توجد سلطة أو حكم خارج عن الله أصلا، و إنما الله يخلق ما يشاء.

و مشيئة الله لا تحدها قوانين .. لأنه سبحانه مصدر جميع القوانين.

و المشيئة مردودة إلى الله، و بالتالي ليست مسببة بحيث يمكن أن نسأل: و لماذا خلق الله هذا و لم يخلق ذاك؟

إن ((لماذا)) هنا لا مكان لها بتاتا و لا يصح أن توجه إليه سبحانه

((لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23))) [الأنبياء]

و كنه المراد لا يعلمه أحد.

و السؤال يقال بوجه إجمال.

و مجال التأمل هو في الحكمة العامة للخلق و للدنيا.

أما السؤال تفصيلا عن خلق هذا و خلق ذاك، فهو أمر غيبي .. و هو في العمى لا يعلمه أحد.

٦ / ٧