مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧الموالي أي العناصر غير العربيّة للخوارج الّذين تجمّعوا في معسكر النّهروان(1). يتطابق التّضادّ القبليّ بين الشّمال والجنوب على وجه الإجمال التّضادّ بين الشّيعة الّذين انضوت تحت لوائهم قبائل الجنوب خاصّة والخوارج الّذين ينتمي أتباعهم بالأخصّ إلى قبائل الشّمال، ويعكس كما لاحظ البعض بصواب(2) تصوّرين مختلفين عن الأمّة ودور القائد. تنتمي قبائل الجنوب إلى حضارة قديمة نزعت إلى إلقاء صورة مثاليّة بل هالة من القداسة شبه الإلهيّة على ملوكها، بينما لم تخل نظرة القبائل الشّماليّة على الأرجح من تأثير النّموذج الدّيمقراطيّ الّذي ساد عراق ما قبل الإسلام. سهّلت هذه الجذور انفتاح الإباضيّة لعناصر غير عربيّة بإعطاء الجميع مبدئيّا حظوظا متساوية في الاضطلاع بدور القائد، وفتح المجال بهذا النّحو لإقامة إمامة مبنيّة على مبدأ إلغاء التّمييز القبليّ، واعتماد كتاب الله مرجعا أوحد.
لا بدّ كذلك من التّأكيد على أهمّيّة مدينة البصرة المدعوّة لتلعب على مدى عدّة أجيال دور مركز لنشأة وتصارع الأفكار، ولصياغة ونشر المذهب بالنّسبة للإباضيّة كما لغيرها من الفرق(3). والظّاهر أنّ جلّ الخوارج المعتدلين عادوا بعد هزيمة النّهروان (37هـ/658م) وسط أهاليهم بالبصرة الّتي عُرف سكّانها بالشّغب والعداء لعليّ ومعاوية سويّا. كذلك استفاد الإباضيّة من حياد بل ربّما حماية زعيم بني تميم الأمير الأحنف بن قيس السّعديّ (ت 87هـ/686م). ذلك على الأرجح ما يفسّر
(1) - انظر: [فلّهاوزن]، المصدر نفسه ص28.
(2) -[م. وات]، الفلسفة واللاهوت الإسلاميّان (1962م، ص8 - 9). توسّع في وجهة النّظر في "التّشيّع في العصر الأمويّ، مجلّة الجمعيّة الملكيّة الآسيويّة 1969م، ص158 - 172).
(3) - انظر الصّورة العامّة للوسط السّنّيّ والشّيع السّياسيّة الدّينيّة في البصرة عند [شارل بلاّت]، "الوسط البصريّ وتكوّن فكر الجاحظ" (باريس 1953م)، خاصّة الفصل 5، ص183 - 222.