مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦و680م؟(1) وساهموا بصفة غير مباشرة في انتصار معاوية على عليّ وقيام الدّولة الأمويّة، كما ساهموا بعد (90 سنة) في انتصار العبّاسيّين على الأمويّين(2).
ينبغي مع ذلك أن يسترعي انتباهنا من الآن عدّة وقائع لندرك طبيعة القضايا الأصوليّة الّتي طُرحت منذ البداية، ونتبيّن الملابسات الّتي انفصلت فيها الإباضيّة لاحقا عن بقيّة فرق الخوارج وحدّدت ذاتها بينها.
ذكرنا المحكّمة الأولى والأهمّيّة الّتي كانوا يولونها لكتاب الله باعتباره الفيصل ومصدر الأحكام الّذي يعلو على كلّ حكم إنسانيّ. ساهم في إعطاء هذا المعيار وزنه عند الخوارج الأوائل انتماؤهم إلى طائفة القرّاء، أصحاب الجباه السّود ممّن سيماهم على وجوههم من أثر السّجود (ق 48: 29). لم يكن أولئك القرّاء الأتقياء يعتزلون الحياة العامّة، بالعكس كانوا "أسودا في النّهار ورهبانا في اللّيل"(3)، وشكّلوا العنصر الأنشط في التّحضير للثّورة ضدّ عثمان، ولعبوا دورا رئيسيّا في واقعة الجمل وفي صفّين ثمّ ضدّ الحجّاج بن يوسف. كان شعار "لا حكم إلاّ للّه" الصّيحة الّتي جمعتهم.
لا بدّ أن تسترعي انتباهنا واقعتان: التّنافس بين قبائل الشّمال والجنوب(4) ومساندة
(1) -[م. وات]، "الفكر الخارجيّ في العصر الأمويّ" في "الإسلام" ص36 (1961م)، ص215 - 217.
(2) - حول ثورات الخوارج في الخلافة العبّاسيّة، انظر [فكيا [فاليري]]، تطوّرات المذهب الخارجيّ في العصر العبّاسيّ، مجلّة الدّراسات الشّرقيّة، ج24 ص1 - 4، ص31 - 34).
(3) - انظر: أطفيّش: الرّسالة السّلفيّة ص163، [فلّهاوزن]، أحزاب ص13.
(4) - انظر: [فلّهاوزن]، المصدر نفسه ص7.