مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩الأفكار الأولى في مجال العقيدة
هل يمكننا عند هذا الحدّ أن نكوّن فكرة عن المواضيع الّتي برزت وسط مجموعات الخوارج وساهمت في بلورة مذهبهم؟ لا يقدّم لنا شعرهم المحفوظ في دواوين الأدب عونا كبيرا بهذا الشّأن. لكن يبرز في بعض الشّذرات من شعر أولئك الخوارج الورعين المواظبين على الجهاد والعبادة الاعتقاد في عذاب النّار(1). شكّل مع ذلك مدح الشّهادة والشّوق إليها وذمّ عالم مُلئ فسادا وازدراء الموت أهمّ مواضيع هذا الشّعر القديم(2).
غير أنّ القضيّة الّتي أثارت جدلا أكثر من سواها في (ق 1هـ) كانت بالتّحقيق حكم مرتكب الكبيرة. لم يتمّ تناول المسألة على المستوى النّظريّ بعد، فقد كان النّقاش يدور حول تحديد الذّنب الّذي اقترفه المشاركون في واقعتي الجمل وصفّين، ثمّ بالنّسبة إلى الخوارج إقصاء العناصر الخطيرة من الجماعة.
هكذا أدان المحكّمة الأولى بالكفر عليّا وعثمان ومقاتلي واقعة الجمل ومعاوية
(1) - مثلا لمّا قُتل نافع بن الأزرق في الدّولاب، رثاه أحد أصحابه: "أن مات غير مداهن في دينه - ومتى يمرَّ بذكر نار يُصعقِ (الكامل) انظر [غبريالي]، "الشّعر الدّينيّ للإسلام القديم" في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة، 41: 1 (1973م)، ص29 وما بعد.
(2) - مثلا هذه الشّذرات: "إذا ما اللّيل أظلم كابدوه/ - فيسفر عنهم وهمُ ركوع" (شذرة 9). أو للطّرمّاح: "خوفا تبيت القلوب واجفة/ - تكاد عنها الصّدور تنفلق". أو لسُمَيرة بن الجعد: "إلى عصبة أمّا النّهار فإنّهم/ - هم الُسْد عند الحرب حرب التّهايج// وأمّا إذا ما اللّيل جنّ فإنّهم/ - قيام كأنواح النّساء النّواشج". انظر [غبريالي]، "الشّعر الدّينيّ" 29 وما بعد. وهناك شذرات عديدة من هذا الشّعر جمعها [غبريالي] في "الشّعر الخارجيّ في قرن الدّولة الأمويّة" في "مجلّة الدّراسات الشّرقيّة" (مجلّد 20، ص3 - 4 (أكتوبر 1943م)، ص331 - 372) وإحسان عبّاس: "شعر الخوارج".