مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٠

وأنصاره والحكمين عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعريّ وكلّ من وافقوا على التّحكيم. وبتوسيع هذا المبدأ أعلنوا كفر كلّ مرتكب كبيرة(1). بذلك ظهر أوّل انقسام مذهبيّ بين المسلمين. فبينما رأى السّنّة أنّ مرتكب الكبيرة يبقى مؤمنا طالما بقي محافظا على إيمانه بالله وأنبيائه، وأنّ فسقه لا يسحب عنه صفته كمؤمن ومسلم، فهو فاسق لا أكثر، اعتبره آخرون منافقا وذلك أخطر من ذنب الكافر الّذي يكتم كفره، أمّا في نظر الإباضيّة فيقع تحت طائلة الوعيد: هو كافر نعمة لا كافر شرك(2). وابتكر واصل بن عطاء بشأنه مقولة المنزلة بين المنزلتين: فهو في وضع بين الإيمان والكفر.

ثمّ توقّف القتال لفترة وأخذت البصرة تبدو تدريجيّا كمدينة تجاريّة كبرى. واغتنمت العناصر المعتدلة الفرصة لمصالحة الخلافة. ورغم عدّة انتفاضات قام بها الخوارج أيّام الأمويّين- وقُمعت بسرعة وبشدّة- بان أنّ قائد الإباضيّة الجديد أبا بلال مرداس بن أُديّة التّميميّ (658 - 679م)(3)، الّذي جلبت له خصاله تقدير شتّى الفرق كالإباضيّة والصّفريّة (الّذين عدّوه من أئمّتهم) من جهة والشّيعة والمعتزلة (الّذين عدّوه من أتباع مذهبهم) من جهة أخرى، تخلّى عن العمل الثّوريّ المسلّح وتفرّغ للدّعوة وفتحَ مفاوضات مع السّلطة الأمويّة. وقد فرض

(1) - عبد القاهر البغداديّ: الفَرق بين الفِرق ص55 - 56 و61.

(2) - البغداديّ: الفرق ص97؛ الشّهرستانيّ: الملل والنّحل، بيروت، نشر الخيّاط ج1 ص60 و181. انظر قاموس المصطلحات بعد الخاتمة

(3) - أبو بلال مرداس أخ عروة بن أديّة الّذي قُتل في (58هـ). حسب المؤرّخين كان لا يدين بالاستعراض ويحرّم خروج النّساء ويقاتل دفاعا عن النّفس، فكان يقول: "لا نقاتل إلاّ من قاتلنا"، ويجوّز التّقيّة. انظر ابن الأثير: الكامل في التّاريخ، نشر النّجّار، القاهرة، المنيريّة ج3 ص255 - 256.

٢٠ / ٤٩٤