مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥٦

إجماع تامّ على استحالة الرّؤية في الدّنيا، ويُرمى متّبعو هذه البدعة بكبيرة الشّرك، لكنّ القول برؤية الله في الآخرة على سبيل التّأويل الخطأ ذنب أهون، هو كفر نعمة، وصاحبه ليس مشركا وإنّما هو منافق (1). ولم نر في أيّ عصر إباضيّا يقول بذلك علنا. انفرد تبغورين بالحديث، بكثير من الاحتياط وبمصطلحات يعوزها الجلاء عن خاصّة العلم الّتي هي ملكة للقلب قادرة على إدراك الحسّيّ والقديم، ويقرّبه توجّهه ذلك من بعض المعتزلة كأبي الهذيل العلاّف، لكنّ هذه الحاسّة تبدو أقرب إلى ملكة التّجريد منها إلى حاسّة طبيعيّة مقوّاة بنحو يتيح رؤية الله بالقلب.

(1) - السّالميّ: مشارق، ص93؛ أبو سهل يحيى: عقيدة ورقة 27 و.

هل وقع اتّصال أو تأثّر بالمعتزلة؟ تشابه الحجج بيّن إلى درجة تحدو حتما إلى الجزم بوجود صلات، وإن لم ترد في كتابات الفريقين إشارات إلى استعارات محدّدة. في المواجهة مع الأشعريّة، نهل الإباضيّة والمعتزلة من معين مشترك. مع ذلك لم يبلغ الإباضيّة شأو أقرانهم ومنافسيهم المعتزلة في استعمال فنون الجدال لتفنيد نظريّات الأشعريّة "كعادة" الله، لذلك لا نراهم يتبعون الخصم على هذا الصّعيد بحيث ينتهي النّقاش لغياب مجادلين- أو بالأحرى يتواصل مع المعتزلة فقط بينما يؤثر الإباضيّة الانكفاء على المواقف الآمنة المرتكزة على الكتاب وعلى إجماع تقليديّ لم يشذّ عنه أحد من مفكّريهم. لكن من بوسعه مؤاخذتهم على امتناعهم الحذر عن اتّباع "عقلانيّي الإسلام" إلى أقصى نتائج منطقهم الصّارم وإرقاء التّقيّد بالتّجربة الحسّيّة إلى مصافّ المبادئ الأوّليّة الّتي لا يجوز المسّ بها؟ من جهة أخرى بيّنّا ضعف تلك العقلانيّة في معرض حديثنا بعجالة عن نظريّة

٣٥٦ / ٤٩٤