مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥٥معرفته" (2). وهو حديث استظهر به بالتّفضيل على أحاديث أخرى يستشهد بها الأشعريّة تأييدا للرّؤية (3): "سترون ربّكم" (4)، "ترون ربّكم عيانا بأبصاركم" يرى أطفيّش أنّه ينبغي تأويلها بهذا النّحو: ستؤتون مزيدا من اليقين في الجنّة بواسطة دلائل لم تعرفوها من قبل (5). مع ذلك ليس في انتظار أهل الجنّة ضير عليهم لأنّ النّضرة الّتي في وجوههم نعمة عظمى
(1) - "للّذين أحسنوا الحسنى وزيادة"، الحسنى هي نِعم الجنّة، والزّيادة رؤية الله. انظر الأشعريّ: الإبانة، ص17.
(2) - أطفيّش: تيسير ج2 ص373.
(3) - انظر مثلا الأحاديث العديدة الّتي رواها مثلا مسلم في باب الإيمان والبخاريّ، انظر ترجمة [هوداس]: الأحاديث الإسلاميّة، باريس، ميزونّوف (1977م)، الجزء 4، 24: 1 و2 و3 و4 و8 و9.
(4) - رفض القاضي عبد الجبّار الحديث: "سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر" لعدّة أسباب منها: أنّه يتضمّن التّشبيه بالخلق، وأنّه رُوي عن قيس بن أبي حازم الّذي "قيل إنّه خولط في عقله آخر عمره، وهذا الخبر معارض بأخبار رُويت عن ابن قلابة عن أبي ذرّ وجابر بن عبد الله"، انظر شرح الأصول الخمسة، ص268 - 269.
(5) - مثل القاضي عبد الجبّار جرّح أطفيّش بعض الأحاديث الّتي وضعها حسب قوله الأشعريّة: "ينظر إليهم وينظرون إليه، فلا ينفكّون ينظرون إليه حتّى يحتجب عن أبصارهم" أو "وإنّ أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله جلّ ثناؤه بكرة وعشيّا"، انظر تيسير التّفسير، ج6 ص427، والجُنّة في وصف الجَنّة، القاهرة، المكتبة السّلفيّة (1345هـ)، ص75 - 76.
تلغي أيّ تنغيص يوحي به معنى الانتظار، بل جعل الله ذلك الانتظار نفسه نعمة إضافيّة.
الحقّ أنّ الذّبّ عن معتقد استحالة الرّؤية لم يكن من النّقاط الّتي تركّز حولها الجدال سواء داخل الفرقة الإباضيّة أو ضدّ الفرق المخالفة. فالظّاهر أنّ مسألة خلق القرآن شكّلت أمرا أهمّ أثناء محنة المعتزلة. وقد انصبّ جهد العلماء الإباضيّين على الحفاظ على هذا المعتقد الّذي اعتنقته الفرقة منذ الأصل على ما يبدو، وقد يعود إلى مؤسّسها عبد الله بن إباض الّذي اشتُقّ منه اسمها. هناك