مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

الفصل العاشر: القدر

تُدرج قضيّة القدر في كتب الكلام والعقائد الإباضيّة غالبا ضمن المسائل الّتي تأتي مباشرة بعد التّوحيد، قبل أو بعد مسألة العدل (1). القدر من أفعاله تعالى، أي يدخل في نطاق علاقته بالحوادث كما يوحي الاسمان المشار إليه بهما: القضاء (الحكم المقرّر في الأزل) والقدر (إيجاده بالأمر الإلهيّ). باعتباره أمرا إلهيّا، يتّصل بالإرادة. وبما أنّ الإباضيّة اعتبروها صفة ذاتيّة، كان عليهم أن يوضّحوا العلاقة بين الإرادة القديمة والقدر المحدَث. من هذا المنظور، تتبع المسألة بالأحرى باب الصّفات. فضلا عن ذلك للقدر صلة وثيقة بالعدل وبوجه أعمّ بقضيّة الشّرّ: كيف يجوز أن يريد الله المعصية من عباده؟ ألا يكون ظالما إن عاقب من قدّر له عمله وحمّل العبد ما لا طاقة له به؟ … سنركّز في دراستنا على مسألة تحتلّ موقعا مركزيّا وتتّصل بالقضيّتين المذكورتين: هي فعل الإنسان، خلقه واختياره. وهذا يُبرز محدوديّتها. ولتشعّب المسألة وتعقيدها، لا تقدّم الصّفحات التّالية سوى إحدى المقاربات الممكنة.

1 - الوضع التّاريخيّ

(1) - في كتب المعتزلة تدخل في باب العدل.

رأينا في المقدّمة أنّ مسألة القدر أثارت نقاشا وقلاقل في الأوساط الإباضيّة المجتمعة حول أبي عبيدة: جدالات حول أفكار عبد الله بن يزيد الفزاريّ القائل بأنّ العون والعصمة عين استطاعة الإيمان (1)، طرد حمزة الكوفيّ وعطيّة (2). منذ خلافة

٣٥٨ / ٤٩٤