مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها بيير كوبرلي Pierre Cuperly [دارس عن الإباضية]

مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩٨

ذلك ففي الغالب من خلال حديث. والصّياغة الشّائعة والّتي تبدو محلّ إجماع تتمثّل في "نَدين بأنّ القدر، خيره وشرّه، كلّه من الله"، وهي عبارة تنفي الثنوية وتؤكّد شموليّة القدر. يتحرّج الإباضيّة من نسبة خلق الشّرّ إلى الله: مثلا يبدو السّدويكشيّ متأثّرا بفكرة المعتزلة عن القبيح الّذي قد يكون للاعتبار ويستحقّ العبد عنه عوضا.

تماشيا مع نفي البداء عن علم الله، شدّد الإباضيّة على أنّه "لا تبدو له البدوات"، لذلك فإنّ الولاية والبراءة أزليّتان ومرتبطتان بالإرادة: لم يزل الله وليّا لبعض عباده بريئا من بعض وهو يعلم في الأزل مآل الجميع. لكنّ علمه الأزليّ لا يعني الجبر، وليس هناك "تكليف ما لا يطاق". لو شاء الله لأكره العصاة على الطّاعة، لكنّه لم يشأ (والحلّ هنا قريب من الّذي بيّنه الرّازي). بخصوص تحديد حياة الإنسان وأفعاله مسبقا، ليس هناك إجماع تامّ. هناك تيّار يدفع في هذا الاتّجاه ويسير على الخطّ الّذي رسمته أحاديث تُظهر أنّ الله قدّر للعبد سلفا كلّ ما يمسّه: عمله ورزقه وأجله. إليه ينتمي مثلا أبو سهل يحيى. التّحديد المسبق ثابت في حالة المعصومين الّذين عيّنهم القرآن، وعلى وجه التّضادّ في حالة غير المعصومين الّذين ذكر القرآن غضب الله عليهم (1). بالنّسبة إلى بقيّة المؤمنين، يدخل في باب القدر التّوفيق المتمثّل في تيسير العبد للخير، وضدّه الخذلان الّذي توجد نزعة عند الكتّاب المحدثين إلى اعتباره واقعا ثبوتيّا يوجده الله وختما على القلب (أطفيّش) أكثر ممّا هو ترك وتخلّ من توفيقه (تبغورين).

٣٩٨ / ٤٩٤