مدخل إلى دراسة الإباضية وعقيدتها لبيير كوبرلي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٣٢أيضا يمكننا تتبّع التّفاعل السّياسيّ القائم على التّعارضات والتّحالفات بين رؤساء القبائل وجماعة العلماء وحزب الإمام لإحراز الإمامة أو حفظها في السّلالة الرّستميّة، وإزالة الشّورى تدريجيّا لتتحوّل الإمامة عمليّا إلى مُلك (1). هكذا كانت الإمامة دوما تسوية أو حالة انتقاليّة بين مثال أعلى دينيّ أساسه حاكميّة الله ومصالح الكتل القبليّة الّتي تنزع إلى تقويض ذلك الأساس الدّينيّ (2). لمّا يهدّد عدوّ من الخارج استمرار الجماعة، تبدو الإمامة المؤسّسة الوحيدة القادرة على جمع الشّعب لدرء الخطر.
(1) - درس هذا التّطوّرَ بوجه خاصّ ب مرغوب في "المزاب ومفهوم التّطوّر السّياسيّ"، أطروحة لنيل الدّكتوراه في الدّراسات السّياسيّة، باريس (1970م)، 322 ص؛ و [دنجل]: إمامة تيهرت الإباضيّة.
(2) - انظر [ولكنسن]، الإمامة الإباضيّة، ص545 - 546.
في ذلك يكمن سبب عجز الإمامة الإباضيّة- رغم نجاحها على مستوى المدينة أو حلاف المدن، ورغم المؤسّسات المتطوّرة الّتي اتّخذتها- عن تحقيق حلم الخلافة أو تأسيس امبراطوريّة بحجم الخلافة الأمويّة أو العبّاسيّة؟ في شتّى أطوارها، هناك إنجازان استرعيا انتباهنا وهما جديران حقّا بالتّنويه: إمامة عمان الّتي تمكّنت عبر تاريخ حافل بالتّقلّبات والأزمات من البقاء إلى يومنا هذا، ودولة تيهرت الّتي لم تتعدّ حدود عصر معيّن لكنّها بقيت في نظر الإباضيّة نجاحا منقطع النّظير يعود إلى رفعة شأن أئمّتها الّتي لا تُنكر على الصّعيد السّياسيّ والفكريّ والأخلاقيّ. بعد سقوطها في (296هـ/909م) استمرّ في مسلك الكتمان