العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣

وجوه الإجماع

والإجماع إجماعان، إجماع تستوي فيه الخاصة/ والعامة، وإجماع تنفرد به الخاصة وهم العلماء.

أما الإجماع الذي تستوي فيه الخاصة والعامة كالمتواتر من السنن، والصلوات وأعدادها وأوقاتها ووظائفها، والشهور والجُمع والأيام وأساميها والمواسم والأعياد والقِبلة وأمثالها. وأما الذي تنفرد به الخاصة وهو العلماء والفقهاء فهي الأصول التي يبنى عليها الدين. والعامة تحطب في حبل الخاصة. وليس للعامة مخالفة العلماء في شيء منها. والمعتد في الإجماع والاختلاف إجماع العلماء واختلافهم. فإن شذت فرقة وخالفت الأمة، فإن ظهر الفساد في قولها والعناد في فعلها عوفوا من اجتماع الأمة وافتراقها، وكان اجماع المجتمع حقا عند الله وصار الشاذ شاذا.

كالذي يروى عن السكاكية أنهم أنكروا السنة والرأي، وليس هناك قالوا: إلا كتاب الله تعالى. وقد قال/ الله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ولا حاجة بنا إلى ما لم يذكر في الكتاب. وينبغي أن يحاشي بهم كتابنا، غير أن الله تعالى لم يحاش من كتابه الكلب والخنزير والكافر.

فصل

زعم أهل الظاهر أنه لا يعتد إلا بإجماع الصحابة، وقد انعقد الإجماع في زمانهم. وليس لمن بعدهم أن يجتمعوا ولا أن يختلفوا. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع اصحاب الفروع. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع الأئمة وولاة الأمور. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع أهل المدينة. وقال بعضهم: حتى تجتمع جميع الأمة. فليت شعري أبأبدانهم أو بآرائهم؟ والذي يعتد به من أصناف العلماء في اجتهاد الرأي وفي الإجماع العلماء أولهم العارفون بكتاب الله عز وجل، وبفنون التفسير، وبالسنن وفنونها، وبالأصول، وهو الكلام وفنونه، وبالفقه وفنونه، وأعني في هذا كله المشهور المأثور/ لا الشاذ المغمور. وكل فن من هؤلاء ممن لا يحسن إلا فنه فلا يعتد بإجماع

هؤلاء ولا اختلافهم، لأنهم في نمط العامة ولا سيما أنهم رواة. فأما أصحاب أصول الفه فلهم حظ في الاجتماع والاختلاف ما لم يكونوا جفاة عن الدين.

وإن أطبقت الأمة عن الشيء فهو إجماع سواء كان قولهم بتقييد أو بتقليد والجافي هو الذي ذهب به فنه ومذهبه عن سنن القصد.