الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥هو الحق عند الله تعالى ولم يؤثمه الله تعىل بنشر ما رأى بل يؤجره عليه ولو كان ما كان فإذا يإجره عليه فهو الحق عنده ولو خالف إلى غيره ما رآه وصادف وأصاب وجه الحق عند الله أليس هو مأثوما، فكذلك إذا/ أنشر ما رأى كان موجرا عند الله. وهل يصح أن يكون مأثوما بترك شيء، ويكون غير مأجور بفعله، وأن يكون مأثوما بنشر شيء ولا يكون مأجور بتركه، ولن يأمره الله بفعل شيء ثم يفعله فيحرمه الثواب. بهذا الدليل استدل من قال إن الحق في جميعهم وأنه مأجور في إصابته الحق وفي إصابته الخطأ ومأثوما في خلاف ذلك. وأخرى، إن الله تعالى خيّر العباد في كفارات فما آتوه منها فهو الحق عند الله ولو كان متضادا؛ كالتأجيل والتعجيل والإطعام والصيام والمن والفداء. والمجتهدون كالمتخيرين، فكل ما رأوا وافتوا به مما أداهم إليه اجتهادهم فهو الحق عند الله تعالى. قال الله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه
ومن تأخر فلا إثم عليه}. والتعجيل والتأجيل ضدان، وهما حق عند الله تعالى./ وقال في كفارة الأيمان: ﴿ .. فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم وكسوتهم أو تحرير رقبة﴾. فأوجب أن الكل حق عند الله تعالى. ومعاذ الله أن يكلف عباده ارتكاب الخطأ ويقرهم عليه ويجعله لهم شرعا متبعا، ولم يبق إلا أن جميع ما رآه المجتهدون هو الحق عند الله تعالى. قلنا وبالله التوفيق: إن الله تعالى بكرمه ورحمته قد وسّع على عباده في أمور وكَّلهم الحكم فيها وفوَّضه إليهم وأمرهم بالاجتهاد فيها وجعل فرضهم الاجتهاد ثم إظهار ما رأوه ثم العمل به فمن لم يجتهد أو اجتهد فلم يظه أو أظهر فلم يستعمل كان مقصرا. وأما وجه الحق فلا يكون شيئا وخلافه حقين عند الله تعالى. وقد جرى الاختلاف في أشياء عند الفقهاء فلم يؤثم بعضهم بعضا ولم يكفر بعضهم/ بعضا. وقد يقول كل واحد منهم لصاحبه: أخطأت في رأي الحق. فإذا كان حقا عند الله تعالى فما باله يخطّئه؟ ولا بد من أحدهما على مذهبكم يخطيء الحق، وقد سوغتم له ذلك. وعلى مذهبكم أنهم كلهم مصيبون الحق عند الله وسائغ لكل واحد تخطئة صاحبه، وإن كان يلزمنا ذلك. وقد جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يخطئ الصواب بعضهم ويصيبه بعض ولا يجاوز إليه أخطأت في رأي الحق، ولو لم يكن كذلك لما كان مجتهدا كقول علي بن أبي طالب حين شاوره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة التي أرسل إليها