الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤ذلك.
وأما الخبر الشاذ إن ظهر عن رسول الله عليه السلام بعد الإجتهاد والإجماع فإن كان مما يثبت به قواعد الدين، نظر إلى/ الصحابة فإن تمادوا على رأيهم صار منسوخا وإن رجعوا إليه كان إجماعا كما قدمنا. وإن اختلفوا كان قولة. وقل ما ينعقد إجماع فيظهر للرسول بعده شيء يحله أو يخالفه وربما يقع الإجتهاد قبل وقوع الإجماع وظهور الخبر. وقد سئل عمر عن شيء فأخبر به فقال: لو لم يبلغنا عن رسول الله عليه السلام هذا لعملنا بغيره. وأما إذا صدر من الصحابي قول وانتشر عنه ولم يقع من الصحابة نكير بحيث يبلغهم فهذا هو الإجماع والسنة. وإن أظهروا السرور كان أوكد، وإن أظهروا النكير بطل الخبر وصلح النظر.
القول في فروع الشريعة والاجتهاد فيها
قال بعض أصحاب أبي حنيفة/ كل مجتهد في فروع الشريعة مصيب في فتواه وفي حكمه ومأجور عليه. واختلف عن مالك. وقال أهل الحق: إن الاجتهاد مأمور به ومأجور عليه ومأجور على إصابته الحق وفتواه والحكم به. وأما إذا أخطأ الحق عند الله فهو مأجور في اجتهاده ونشره، ومأجور في كل شيء غير استخراجه بدليل قول رسول الله عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانن وإذا اجتهد "فأخطأ" فله أجر واحد».
ألا ترى إلى أنه أوجب له الأجر في إصابته الحق وعلى اجتهاده، وأوجب
له الأجر إذا أخطأ في اجتهاده. وحط عنه المآثم في خطاياه. وروى عن الشافعي أيضا مثل هذا القول، وهو أصح الأقوال، وإن كان يروى عنه خلاف هذا القول، والأول أصح.
وقال نفاة القياس: الحق في كل ما اختلف فيه في واحد ومن أصاب الحق الذي نصب الله عليه الدليل فهو مصيب، ومن أخطأه كان مأثوما غير معذور، وهو قول ابن/ عبلة وبشر المريسي وابن الحسين.
وقال بعضهم: إن الحق في جميعهم ولا إثم إلا لمن كتم أو خالف معتقده. وذلك أن الله كلف أهل النظر في الحادثة أن ينظروا ويجتهدوا، فنظر كل واحد منهم فأصاب وجها يخالف فيه صاحبه فهو فرضه الذي افترض الله عليه، فلو كتم ذلك الوجه الذي رآه وأصابه لكان مأثوما ولو كان ذلك الوجه خطأ عند الله تعالى. فلما كان لا يكون إلا مأثوما بكتمانه وبترك الاجتهاد والنظر، أو بتبديل ما رأى بخلافه، صح أن ذلك الوجه الذي أصابه