العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤

/ على أن إبراهيم مربوب، والبرهان: الحاجة والعجز بالمشاهدة والحدوث بالدليل.

وأما الثانية: أن لا بد للمربوب من رب، فهي من الواجبات عقلا.

وأما الثالثة: فأن الله الربوبية لمن كلمت له الصفتان، الإحياء والإماتة، وهما لله رب العالمين. وأما انتحال الكافر هاتبن الصفتين فمجاز لا حقيقة، وهما في الله حقيقة لا مجازا، فلما فطن إبراهيم عليه السلام بمراد الكافر، وهو أن يستميل عقول العامة، عارضه إبراهيم عليه السلام بنفس الدليل، ولكنه احترز، فقال ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ (1) ولم يقل إبراهيم: فأت بها أن من المشرق احترازا من أن يقول الكافر أنا آتي بها من المشرق غدا، أو أنا أتبت بها بالأمس، فكان الشبهة قائمة إلى الآن. لكن احترز من ذلك فقال: ﴿فأت بها من المغرب﴾ قياسا؛ لأن المغرب/ مثل المشرق فمن قدر أن يأتي بها من المشرق قدر أن يأتي بها من المغرب، ولأن المغرب والمشرق سيان. ولم ينكر الكافر في هذه المقايسة مخافة أن تأخذ عليه العامة فلما أعيت المذهب بُهت الذي كفر. وهذا من أعظم الدلة على إقامة البرهان من طريق العقول بحكم الخليل

وأما احتجاج الأنبياء عليهم السلام بالميزان العقلي: قال الله تعالى: حكاية عن جميع المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين في محاجتهم أُمَمَهُم بقول واحد يشملهم، وجواب الأمم أجمعين على أسلوب واحد يعمهم قال الله تعالى: ﴿ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إى الله جائتهم رسلهم بالبينات﴾ (1) انظر كيف أخبرنا الله تعالى أن الذي جاءت به الأنبياء إلى الأمم هو البينات. ثم قال: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ (2) إجماعا وإزماعا على تكذيبهم/ رسلهم فقالوا: ﴿إنا كفرنا بما أرسلتم به﴾ (3) ففي الكفران الجحود، ومكابرة القوم الشهود. ثم قالو: ﴿وإنا لي شك مما تدعوننا إليه مريب﴾ (4) فكأنهم رجعوا عن الكفران إلى الشك، والشك دال على جهالتهم، وكأنهم رجعوا عن الشك بما فيه من نقيصتهم إلى الريبة بعد الشك والكفران، فالكفران مكابرة والشك جهالة. والريبة فيها بعض النقص وبعض المعذرة. ﴿قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السموات والأرض؟ … ﴾ (5) تقريعا وتوبيخا بعد الإقرار بفطور السموات والأرض. وفيه مكابرة الحكم العقلي إقرارا بالحدوث وإنكارا للمحدث، فهذه من الجوابات التي انطبقت عليها العقول الاسلمة من الآفات. ثم قالت الأنبياء: {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم