العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٩

باب اختلاف الناس في الخروج

على السلاطين الجورة وتولية أعمالهم

قالت السنية: الخروج عليهم حرام وقتالهم على ذلك حرام، ولا يحل الخروج عليهم وإن ظلموا وضربوا وحرموا وغصبوا.

وقالت الخوارج: الخروج عليهم واجب وعلى جميع جنودهم ورعيتهم. وقال أهل الحق: إن الخروج عليهم سائغ جائز، وهو قربة إلى الله عز وجل. وجهادهم على جورهم ومنكرهم من أعظم القربات وله شروط قل ما تتفق إلا لأبي بلال مرداس ومن كان على طريقته من أهل النهر وعبدالله بن يحيى الكندي وأبي حمزة المختار بن عوف رحمهم الله.

وأما السنية فقد حظروا مباحا وندبا. وأما الخوارج فقد أوجبوا مباحا وندبا. ولكنا نقول: إن الخروج عليهم ندب وهو/ إحدى القربات إلى الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله

رؤوف بالعباد}. وهو باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن منعه وحظره فقد أخطأ ومن أوجبه فقد أخطأ. ولا فرق بين الشراء إلى المشركين وبين الشراء إلى الجائرين، بل إلى الجائرين أفضل. ألا ترى إلى قول رسول الله عليه السلام وقد سئل ما أفضل الشهادة؟ فقال:» كلمة حق يقولها أحدكم عند سلطان جائر يقتل عليها «. ورفع الظلم عن المسلمين أفضل من قسر المشركين عن ظلم بعضهم بعضا. وليس للجائرين من الحرمة ما يمنع الخروج عليهم.

ودليلنا على جواز المقام بين ظهرانيهم قول رسول الله عليه السلام:» اعطوهم ما لهم واسألوا الله مالكم «. وقوله عليه السلام:» اطع إمامك وإن ظلمك وحرمك وضربك «. فمن عزم على الكون معهم والكون بين ظهرانيهم فلا ينزع يدا من طاعة ولا يجعل إلى نفسه/ سبيلا. ولكن لا يطيعهم في معصية الله تعالى لقوله عليه السلام:» لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق «. وقوله:» إنما الطاعة في المعروف «ويستسلم لجميع ما يجري عليه منهم ما لم يركبوا منه مأثما أويبيحوا محرما لا يقارّهم عليه، إن شاء صبر وإن شاء امتنع فواسع له ذلك. ويسعه أن يأخذ عطاياه ويطالبهم بها ويجاهد معهم ويغزو ويأخذ سهمه من الغنيمة لقول ابن عباس: قاتل على سهمك في الإسلام. ويدفع لهم جميع ما يطلبونه من حقوقهم لقول رسول الله عليه السلام:» اعطوهم حقهم واسألوا الله ما لكم عليهم من الحق «.