الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧الجزء الثالث
من كتاب العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف
باب
في معرفة القياس وحصوله في صدور الناس
اعلم أن الله خلق ابن آدم أطوارا في الرحم، ونفخ فيه الروح والنسم. ومكث في الرحم مدة ليس له علم بشيء من الأمور إلا الحس به يستلذ وبه ويتألم. فجميع مضار أمه مضاره وجميع ملاذ أُمّه ملاذه، وربما تقع له الشواذ في الآلآم والملاذّ، لا شم ولا طعم ولا سمع ولا بصر إلا الحس وحده. وغذاؤه من سرة أمه إلى سُرّته. لا بول ولا غائط ولا لعاب ولا مخاط ولا عرق. فلما حان حين خروجه اقلبه الله تعالى فإذا سبق رأسه ويداه كان مستويا، وإن سبقت رجلاه كان منكوسا وهو اليَتَن. فلما انقشع عنه حجاب الرحم تألم لِمَسِّ الهواء كل الآلآم فصرخ:
لما تُؤذِنُ الدنيا به من صروفها … ... يكون بكاء الطفل ساعة يوضع
عَلاَمَ بكى لمّا رآها وإنها … ... لأرحب ممّا كان فيه وأوسع!
/فجرت الحركة في مفاصله، فأبصر وسمع وذاق وشم إلى ما تقدم من الحس والجس. فلما انجمعت حواسه وجرى حديث النطق في شفتيه ولسانه ظهر التأمل للناس والنظر إلى صورتهم، والاستمتاع إلى أصواتهم ووقعت التفرقة بين الأب والأم والحشم والخدم، فقرن به الله تعالى المَلَك صاحب اليمين فكان في سياسته ويعلمه. فلما استتم له الانفصال والانفصام، ونقل إلى الشراب والطعام، نشج فبكى وسجم فشكى بعينيه ما يلقى، فلما أيس آنس واستأنس، ومكث في تعلم الكلام