الملاحن لابن دريد شرح وتحقيق عامر ونيس
الجزء ١ · صفحة ٨وبعد عام سبعين ومائتين عاد إلى البصرة ثانية وأقام فيها فترة طويلة امتدت حتى عام خمس وتسعين ومائتين (295هـ). وفي هذه الفترة لمع اسمه، وذاع صبته، وكثر طلابه. ثم سافر إلى جزيرة ابن عمر، ومنها إلى الأهواز، حيث استدعاه الشاه الميكالي ليؤدب ويعلم ابنه. وفي هذه الفترة ألّف بعض كتبه، كما نظَم المقصورة، التي مدح فيها الشاه وابنه، ثم عاد إلى البصرة بعد عزل الميكالي، وذلك سنة 301هـ وبقي فيها حتى عام 308هـ، حيث انتهى به المطاف إلى بغداد عاصمة الدنيا في ذلك الوقت، واستقر بها حتى وفاته سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة (321هـ)(1) .
وفاته
ذكر بعض المؤرخين أن أبا بكر بن دريد أصيب في آخر عمره بالفالج، وعالجه الأطباء، فشفي منه، ثم عاوده فأعاد المعالجة، لكنه لم ينفعه ذلك، فكان يصيح لذلك صياح من يُغشى عليه، وكان مع ذلك ثابت الذهن، كامل العقل، يرد فيما يُسأل عنه ردًّا صحيحا. وكان يُسأل عمّا يُشكّ فيه في اللغة وهو بتلك الحال، فيرد بأسرع من النفس بالصواب.
وآخر شيء سئل عنه، أجاب بأن قال: "يا بنيّ حال الجريض دون القريض". وهذا مثل مشهور، أول من قاله عبيد بن الأبرص؛ أحد شعراء الجاهلية لما لقي النعمان بن المنذر اللخمي، آخر ملوك الحيرة، في يوم بؤسه، عزم على قتله، وكان ذلك عادته في هذا اليوم، فلما أحس به عبيد وقد استنشده شيئا من شعره قاله.والجريض: الغصّة، والقريض: الشّعر(2) .
وكانت وفاته يوم الإربعاء لثماني عشرة ليلة خلت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة هجرية. وفي نفس اليوم توفي أيضا أبو هاشم الجبائي، حتى قيل: مات علم اللغة والكلام بموتهما.
(1) – نفس المصدر، ص 136.
(2) – الملاحن لابن دريد، تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، طبعة القاهرة، المقدمة.