الإمام القطب محمد بن إبراهيم اطفيش ومنهجه الاستدلالي التواتي بن التواتي

الإمام القطب محمد بن إبراهيم اطفيش ومنهجه الاستدلالي

الجزء ١ · صفحة ٣٢٧

الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك، فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: (وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (؟ قلت: يحتمل أن يتناول نفي الشفاعة والطاعة معا وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة كما تقول: ما عندي كتاب يباع فهو محتمل نفي البيع وحده وأن عندك كتابا إلا إنك لا تبيعه ونفيها جميعا وألا كتاب عندك ولا كونه مبيعا ونحو ما قالته العرب:"ولا ترى الضب بها ينجحر" يريد نفي الضبّ وانجحاره". والحقيقة أن القضية البلاغية هنا تعلقت بنفي الشفيع أو إثباته ولم تتعلق بالمشفوع له حيث رجع الأمر إلى التخصيص والتعميم.(1)

فتوى فقهية: طعام أهل الكتب: وموضوع طعام أهل الكتاب، فيه مباحث طويلة بين علماء الأمة وفقهائها، وعندما يتحدَّث الفقهاء عن طعام أهل الكتاب فهم يقصدون الذبائح بالدرجة الأولى، لا يختلفون في أنَّ طعام أهل الكتاب حلال للمسلمين عندما يكون أهل الكتاب تحت الذمة، أي: تحت الحكم الإسلامي، خاضعين لرقابته، ولا يختلف الإبَاضِية عن غيرهم من المسلمين في هذا الحكم للنص القرآني الكريم:

(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (5) (المائدة/.

ولا يوجد أحد من علماء الإبَاضِية يخالف النص، ويقول بتحريم أهل الكتاب هكذا على الإطلاق -كما ادعى ابن حزم- ولكن منهم من يشترط لحلية ذبائح أهل الكتاب أن يكونوا تحت الذمَّة أي: تحت إشراف الدولة المسلمة ورقابتها. فإذا كانوا كذلك حل طعامهم ونكاح الحرائر من نسائهم أمَّا إذا خرجوا عن الذمَّة، بأن لم يكن بينهم وبين المسلمين صلة ولا علاقة أو كانوا محاربين لله ورسوله، أو كانوا مؤيدين لمن يحارب الله ورسوله، مساعدين له، فإنَّه لا يحل طعامهم أي: ذبائحهم، ولا نكاح الحرائر من نسائهم كما هو الحال في وقتنا الحاضر لمن لم يكن تحت الحكم الإسلامي، ومن علماء الإبَاضِية من يعمل بعموم الآية فيجيز ذلك على جميع الأحوال.

ولا شكَّ أنَّ المسألة مسألة فرعيَّة اجتهاديَّة تحدَّث عنها علماء الإبَاضِية وغير الإبَاضِية بإسهاب وتطويل واختلفت فيها آراؤهم ولا يوجد أحد من علماء الإبَاضِية لا في القديم ولا في الحديث يحرم طعام أهل الكتاب إذا كانوا تحت الذمَّة أو تحت رقابة الأمة المسلمة في أي عهد من العهود.

ويفتى بتحريم ذبائح أهل الكتاب في الوقت الحاضر؛ لأنَّهم ليسوا تحت الذمَّة، وقد أعلن

(1) - البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية لفرحات الجعبيري، 2/ 15

٣ / ٦