اللقاء الإباضي الأشعري (في تراث الشيخ اطفيش)
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩ونقصد بهذا القرب المنهجي، تقارب طريقة الاستدلال ومصادره، بين الإباضية والأشاعرة، فقد كان المذهب الإباضي يشكل واسطة بين العقل الاعتزالي ونصية المحدثين المقابلة له، ولما ظهر الفكر الأشعري بمحاولة أبي الحسن التوسط، أصبح أقرب إلى منهج المذهب الإباضي في بعض قضايا الصفات، أو في الأخذ بالتأويل، مما جعل الشيخ اطفيش باعتبار انتمائه يجد لدى الأشاعرة نقاط تلاق متعددة، وإن لم تصل في بعضها إلى حد التطابق، فقد كان الإباضية في منهجهم أميل إلى النص القرآني والتعامل معه بمنطق التأويل والعقل، بينما كان الخط المنهجي الأشعري أميل إلى النص الحديثي وأقرب إلى التسليم بظاهر النص، وظهر هذا جليا في قضايا الخلاف بين المذهبين. وتجسد بشكل واضح في أن هذه القضايا الخلافية يتفق فيها الإباضية مع المعتزلة، ويتفق فيها الأشاعرة مع المحدثين.
وكان هذا الوضع سببا كافيا ليناقش الشيخ اطفيش ويلتقي مع الأشاعرة في تراثه بشكل واسع مظهرا مدى الاتفاق ومواطن الاختلاف.
ه- الوجود الاستعماري الفرنسي بالجزائر
وهذا عامل آخر لا يمكن إهماله، حيث كان للاستعمار يد في إثارة النقاش الإباضي الأشعري، والمالكي بالخصوص في الجزائر، وهو ما ترجمته مراسلات الشيخ اطفيش، حين يجيب على أسئلة حول المذهب تثار من عوام الناس، أو من خاصتهم، فيها للجوار أثر، وللاستعمار أيضا نصيبه.
4 - أهمية اللقاء الإباضي الأشعري في تراث الشيخ
لقد جسد الشيخ في تراثه اللقاء والحوار، وتعددت مواقفه فيه، فهو يختلف بين الانتصار إلى المواقف والانتماء أحيانا، ولكن لم يمنعه ذلك من الميل إلى تخفيف شدة الخلاف ومحاولة التوفيق بين المذهبين، وأتباع المنهج العلمي الرصين في تناول القضايا الخلافية بين المذهبين، وتجلى هذا خاصة في المؤلفات التي شكلت القدر الأكبر من عمله العلمي، وينبغي القول إنه كان يتسم بخلق أهل العلم في إيراد أقوال المذاهب، كما دلت أعماله على سعة اطلاعه وأخذه الآراء والأقوال من مصادرها رغم صعوبة حصوله عليها.
وهذا ما يدلنا على أهمية دراسة هذا الجانب في أعمال الشيخ اطفيش وتراثه، واستخلاص نتائج لها صلة وثيقة بعصرنا وواقعنا.