المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج) محمد حدبون

المسألة الفلكية عند قطب الأيمة (قراءة في المضمون والمنهج)

الجزء ١ · صفحة ٤٦٣

علوم كثيرة، له الكعب المعلَّى تأليفًا وشرحًا وتعقيبًا وتصويبًا .. بذلك كلِّه استطاع احتواءَ مادة علميَّة غزيرة، تمكَّن من إعادة تقديمها وصياغتها في مستوًى يناسب عصرَه.

وإن تصدَّر شرحُ النيلِ والتيسيرُ وغيرُهما مؤلفاتِ القطب، وربَّما حازاَ فضلَ العلَميَّة عليه، فثمَّةَ فنونٌ اهتم بها القطب، وأظهر فيها تمكُّنا وقدرةً لا تقلُّ شأنا عمَّا اشتُهِر به في الدين وأصوله، والفقه وفروعه، والقرآن وعلومه، والحديث وفنونه .. ومن ذلك علمُ الفلك، والحساب، والمنطق، واللغة، والطب.

1. تأصيل النظر الفلكي عند القطب.

يؤسِّس القطبُ لمسألة النظر في ملكوت الله تعالى (الكون)، ويوجهه الوجهةَ التي ينبغي أن تكون عليه، فالنظر عنده هو ذلك الذي يثمر إيمانا، "وَالْمُرَادُ نَظَرُ اعْتِبَارٍ لَا نَظَرُ الْعَيْنِ"،(1) ولا بأس بنظر مجرَّد، غيرِ مستحضِرٍ للعظمة، "لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِفْتَاحًا لِنَظَرِ الِاعْتِبَارِ بِالْقَلْبِ". والنظر الوارد في قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾(2) قال: "والنظر بمعنى العلم"؛ ويرى أنَّ للوسائل حكم المقاصد، بمعنى أن الأخذ بما يحقق هذا النظر من آلات واجهزة أمر مطلوب شرعا لتحقيق هذا الأمر.

وتركُ النظر كان سببًا لضعف المسلمين حتى اعتدى عليهم الكفار، تلك هي نظرته الشهيرة في أسباب استعمار العالم الإسلاميِّ. لذلك وغيرِه كان يدعو إلى التفكر في ملكوت الله تعالى، ويقول في هذا الصدد: "وَانْظُر فِي السَّمَاوَاتِ وَالنُّجُومِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي غَيْرِهِنَّ فَقَدْ فَاتَهُ النَّظَرُ، فَالْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالْهَوَاءُ وَكُلُّ جِسْمٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى السَّمَاوَاتِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ وَأَصْغَرَ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ".(3)

وقال ناصحا "وَاعْتَبِرْ دَوَامَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ بِلَا فُتُورٍ فِي مَطَالِعَ وَغُرُوبِهَا فِي مَغَارِبَ مُتَفَاوِتَةٍ وَسَيْرِهَا سَيْرًا مُقَدَّرًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَبَعْضُ نُجُومِهَا عَلَى صُورَةِ الْعَقْرَبِ وَالْحُوتِ وَالْحَمَلِ وَالثَّوْرِ وَالْأَسَدِ وَالْإِنْسَانِ، وَلَا صُورَةَ فِي الْأَرْضِ إلَّا لَهَا مِثَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَانْظُرْ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَزَمَانِ الِاعْتِدَالِ".(4)

كلُّ ذلك "دليلٌ على وحدانية الله تعالى في السموات؛ من نجوم وذوات أذناب وغيرها وتغير أَحوالها، والقطب الشمالي ودوران النجوم عليه والقطب الجنوبي .. والمجرة وفيها نجوم كبار تدور معها وسط السماءِ ومطلعها ومغربها، وإِذا استقبلت جهة تقوست إِليها، وبنات النعش الصغرى والكبرى، وإِضاءَة ما قابل الشمس من القمر، وخلو ما لم يقابلها منه وغير ذلك".(5)

هذا ومَّما يؤكد مستوى تحكُّمِ القطب في علم الفلك، والتمكُّن من ناصيته، ذكرُه للمئات

(1) امحمد بن يوسف أطفيش: تيسير التفسير 10/ 246.

(2) سورة ق: آية 06.

(3) ينظر: امحمد بن يوسف أطفيش: شرح كتاب النيل وشفاء العليل، 16/ 299.

(4) المصدر والصفحة نفسه.

(5) المصدر نفسه: 4/ 395.

٣ / ١٣