شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ١٠٩الدولة وأعلامها .. وصدقت فراسة الشيخ، وهو ما تحقق -فعلا- مِن بعد(1).
وإذا كان القطب يدعو لخليفة المسلمين، بالنصر والتأييد أبدا، فهو أيضا يَعِد بالخير العاجل له، -شأن الموقِن بالله-؛ إذا ما سار في قضاء حاجته؛ «فإن فعلت ظهر لك الخير عاجلا بإذن الله، والنصر نقدا، والمثوبة آجلا»، وثمة احتمال بعيد قد يتعثّر فيه السلطان، لكن لابد من ذكره واستثماره، «ولا تعدّني ضعيفا من جُملة ضعفائكم، وإن عددتني، فاعتبر قول مَن أنت خليفته: إنما تنصرون بضعفائكم … »(2).
هذه هي فقرات تلك الرِّسالة، التي حملت صبغةً روحيةً واضحةً، بعيدا عن التواءات السياسة والمصالح، مناسبة لمقام الشيخ في الأمّة ومكانته، فتلك في -تصوّري- قمّة السياسة في مثل هذا المقام .. بقي أن أشير أن هذه الرّسالة هي السابعة مِن القطب إلى السلطان عبد الحميد، ويبدو أن الواسطة هذه المرة هو الأمير سليمان بن ناصر، كما يمكن أن نفهم من إشارة الرسالة.
والرّسالة الثانية للقطب إلى السلطان عبد الحميد أو -الأحرى- الشغل الثاني الذي كتبه إليه، كان في شأن مدّ خط سكة حديد الحجاز، وهو خط يربط ما بين الشام والأراضي المقدّسة، وتحديدا بين دمشق والمدينة المنورة، ويبدو أن خبر المشروع، وصل آذان القطب، بعد تلك الحملة التي صاحبته في الأقطار الإسلامية، بُغية جمع المال لإنجازه(3)، فلم يفوِّت الفرصة دون إبداء رأيه في المشروع، من الناحية الأمنية الإستراتيجية، التي يبدو أنها أقلقته بعض الشيء، فكان أن راسل السلطان عبد الحميد، في حدود سنة (1319هـ/1901م)، أي بعد انطلاق المشروع(4) .. مُوجِّهاً وناصحاً، في قضية تمسّ أمن الدولة، ويبدي فيها القطب كامل المعارضة، تبعاً لقراءته، فما الذي أقلقه، وكيف كتب رسالته؟
الرسالة تنضح بمشاعر التّوجيه والنّصح لخليفة المسلمين، بعد الإعلاء من شأن السلطان وتقديم الولاء له كدأبه « … فسلام على السلطان الإسلامي الأعظم، الذي له علينا أدبار الصلوات الخمس، الدعاء بنصره .. عبد الحميد … »، إذن، فما يأتي إنما هو مبني على هذا الاعتبار للسلطان، ولا يخفى على القطب ما أقدم ويقدم عليه من إصلاحات؛ تحفظ على المسلمين دولتهم وهيبتهم.
والقطب لم يتحدّث عن خط سكّة الحديد مباشرة؛ وإنما عمد إلى مسألة فقهيّة، هي أقرب إلى تخصّصه واستفتح بها، وربما في ذلك -إلى جانب إبداء الرغبة في النّصح والتّوجيه- الإعراب عن الموقع الاجتماعي الذي يصدر عنه، من كونه مُفتِيا مُهتمّاً بشؤون الأمة، وتزعجه مظاهر الابتذال والتعدِّي على حدود الشرع، فعلى هذا يُربّي أتباعه ومريديه؛ لذا كان خطابه باسم
(1) إذ مثل الجبل الغربي في «مجلس المبعوثان» التركي، بعد نجاحه في انتخابات ولاية طرابلس الغرب، وهذا سنة (1326هـ /1908م)، وقد أشار الكاتب الإسلامي الأستاذ محبّ الدين الخطيب إلى إخلاص الباروني وصدقه، ونوّه بخلاله وأعماله في فترة عضويته هذا المجلس [ينظر: محمد مسعود جبران، سليمان الباروني .. آثاره (مرجع سابق)؛ / 42 - 43].
(2) امحمد بن يوسف اطفيش، رسالة إلى السلطان عبد الحميد، في شأن إطلاق سراح سليمان بن عبد الله الباروني؛ بخط تلميذه حمو بن باحمد باباوموسى، مكتبة الأستاذ محمد بن أيوب الحاج سعيد (لخبورات)، غرداية-الجزائر، مجموع رسائل، برمز: دغ 12.
(3) ينظر: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (مرجع سابق)؛ /431.
(4) وهذا بدليل ما ورد في الرّسالة مِن قوله: «إبطال طريق الجرّارات ومركّب النّار، وترك تمهيده» والمشروع انطلق في سنة (1318هـ/ 1900م)، وانتهى سنة (1326هـ/1908م) بعد وصوله المدينة المنورة.