شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية صالح بن الحاج بكير سيوسيو

شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية

الجزء ١ · صفحة ١١١

والمغرب»، فهذه الصيغة بقدر ما هي باسم أمّةٍ قائمةٍ، هي أيضا مسألة لا ينبغي التهاون في شأنها، وسؤال الله العزيز القادر منهم لـ «أن يُوفِّقك أن تنهى أهل مصر عن إعراء الحجّاج للتبخير»(1)، وهي عادة يبدو أن بعض أهل مصر تلبّسوا بها، ومن وظيفة الخليفة تقويم هذه العادات السيئة، المجافية لروح الشرع، ولقد أيّد القطب نهيه عن ذلك بالدليل الشرعي، مع التنبيه إلى الحلّ والمخرج فقال: «فقد جاء عن رسول - صلى الله عليه وسلم - أنه ﴿يموت الرّجل ولا يتعرّى﴾، وإذا كان لا يجد الإنسان الحجّ إلا بإعراء عورته، سقط عنه الحج؛ إن لم يجد مالا أو جاها، يدفع به عن نفسه الإعراء» فهو نهي توجيهي، يحمل صبغة الفتوى، ولا يغفل القطب عن تحميل الخليفة المسؤولية بطريقة لبقة، تُذكِّره بمعية الله ونصرته «فيسألك الله -عز وجل- عن ذلك -زادك الله نصرا».

وحيث مهّد القطب بذلك، ثنىّ على مسألتنا مدّ خط سكّة الحديد، التي يبدو أنها شغلته كثيرا وأقلقته، وهذا بحسب ما وظّفه من أساليب الترغيب والترهيب، والقطب أيضا لا يُعرب فيها عن رأيه فقط، بل خاطب بقوله: «ويسألك بقيةُ المسلمين في المشرق والمغرب، إبطال طريق الجرّارات ومركّب النّار(2)، وترك تمهيده .. الله الله في ذلك»، شأن مَن أيقن مِن خطر مُحدِق، ولاسيما مع الضعف الذي سرَى في المجتمع الإسلامي؛ مما سهّل على الآخر سُبُل التّحكُّم في آلياته ووسائله ..

والسؤال: لماذا يا سيدي القطب؟ الجواب: «فإن تمهيد الطريق بمركّب الجرّارات أو مركّب النار، تسهيل لدخول المُنكر الملحد إقليم المدينة، بل حَريم المدينة، بل المدينة ومسجدها .. الله الله في ذلك!» والمدينة هنا المدينة المنوّرة، موئل المسلمين، وثاني الحرمين، فهذا هو الهاجس المقلق، مع تزايد الأطماع وزحف المستعمر على أراضي الإسلام، ولاسيما مع احتضار الخلافة وتربّص الأعداء بها، ونلاحظ أن القطب وظّف لادّعائه كلمات في منحىً تصعيديٍّ «إقليم المدينة … حريم … مسجدها .. الله الله في ذلك»، فمن شأنه أن يُحرّك غيرة الرجال، «ولاسيّما أن ذلك إنما يُتصوّر بأيدي المنكرين الملحدين؛ لأنهم أعرف بسياسة الطرق … » اعتراف بالتّفوّق، لكن لا ينبغي أن يُقابل بالغفلة!

ثم إن الأمر لا يتعلّق بالخطر الدنيوي الاستراتيجي فحسب، بل أضاف أيضا؛ «فإذا أدخلت الملحدين تلك البقاع أو بعضها فأيّ حظٍّ لك يبقى في الإسلام، وأي شرٍّ بقي لم تفعله في الإسلام … الله الله!» والتمهيد وتيسير السبل للأعداء في حكم إدخالهم وتمكينهم، «واعلم -وفّقك الله- أن تمهيد الطريق المذكور، مما يرغب فيه المنكرون الملحدون، ولو عرضت عليهم تمهيده من أموالهم لفعلوا فرحين … » فهذا دليل على أنهم راغبون في المشروع مستبشرون به، فهو يخدم مصلحتهم المستقبِلة المحتملة، وربما دفعهم إليها، ومرة أخرى «ويسألك الله -عز

(1) لم أقف على مرجع يتحدّث عن هذه العادة السيئة، ولعلها قد انقرضت وأنها كانت لظرف زمني معين، وعلى كل .. فهي قريبة الشبه، بما تنصبه بعد الدول للمسافرين من عرض ضوئي كاشف Scanner، يكشف عن جميع تفاصيل أجسادهم!

(2) ربما هي التسمية القديمة لسكّة الحديد، فهي -فعلا- جرارات متلاحقة أو عربات، وكانت تشتغل وتشق طريقها، بإيقاد النّار في الفحم الحجري.

١٧ / ٢٠