شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية
الجزء ١ · صفحة ١١٣ذلك التمهيد، وينتقم منك -عافاك الله الرحمن الرحيم- على ذلك التمهيد» تحميل للمسؤولية، وتذكير بالمنتقم، لكن مع رجاء ترك التمهيد، توفيقا من الرحمن الرحيم ..
هذا هو القطب يتّقِد غيرةً على حُرُم المسلمين وحُرُماتهم .. مهما اختلف المختلِفون معه في الرّأي، والمطّلع على خُطّة السلطان عبد الحميد، يجد أنه قد اعتبر هذه المخاوف كلِّها، وعَمِل على اتّقاء ما يمكن أن يتسلّل منها، فمِن ذلك أنه اعتمد على مهندسين مسلمين -قدر الإمكان-، وأنه استغنى عن الرأسمال الأجنبي وبنوكهم، واعتمد على أموال المسلمين وتبرّعاتهم ونفقات سلاطينهم وأمرائهم ..(1)
ويبدو أن القطب كان على اطلاع على بيان المشروع، والدِّعاية التي أُقيمت له، بدليل قوله «ولو عرضت عليهم تمهيده من أموالهم لفعلوا فرحين»، لكن ربما يقلقه الضعف الذي عليه المسلمون، وإمكانية استغلال الخط في توطيد الاستعمار، ولذلك خاطب السلطان بقوله: «ولا يسألك عن إفساد أهل البدو؛ إذا لم تقدر على إصلاح فسادهم بقهرٍ ولا بإلانةٍ»، أي إذا كان في مدّ هذا الخط، تأمين لحجّاج بيت الله الحرام من خطر البدو وسطوتهم -كما يُمكن أن يتضمّن البيان-؛ فلست مسؤولا عنهم -لو تركته- مع سعيك في كفِّهم عن ذلك بأي وسيلة؛ لأن ثمة ما هو أخطرممّا قد يأتي من بدو الحضر وهجمتهم، في أي لحظة مستقبِلة؟
فمهما يكن من أمر فالقطب ختم رسالته بقوله: «وهذه نصيحة لا جدال، ولا قصد لسوءٍ، أبقاك الله منصوراً في الإسلام، سالما في دينك وبدنك وعقلك، والصلاة والسلام على مَن ترجو أنت ونحن شفاعته وآله وصحبه»(2)، فبذلك كان أنموذجاً للعالم العامل، الذي لا يشغله التأليف والتدريس عن تقديم النّصح والتّوجيه لسلطان المسلمين وخليفتهم، في ثوب التقدير والولاء ..
ولا نملك في الحقيقة وثيقة تُثبِت وصول هذه الرِّسالة إلى السلطان، ولا ماذا كان مِن جوابه وردِّه، لكن ذكر بعضهم أن السّلطان أجاب أنّه يريد أن يبسط الأمن في البلاد المقدّسة، ويُوفرّ الرّاحة للحجّاج، وكيف أن جنوده لا تصل عند الإرسال إلا بشقِّ الأنفس، ولا محيص من اعتماد هذه الوسيلة، أجابه القطب بقوله: «إن الله سبحانه وتعالى لا يكلِّفك فوق ما تستطيع، فإني أخاف أن تكون في ذلك نوايا سيئة من الدول النّصرانية للدّخول بطريقة هذا المشروع إلى البلاد المقدسة، فإذا وجد من أبناء المسلمين من يستطيع أن يسير هذا القطار فلا أرى مانعا في ذلك»(3).
وبهذا يتبيّن أن القطب كان يُتابع أنباء الدولة العثمانية، ويُدلي بدلوه في قضاياها، على غرار هذه الرسالة في مدّ خطِّ سكة حديد الحجاز، وذلك جزء من اهتمامه بالأمّة الإسلامية ونهضتها، ويرى أبو القاسم سعد الله أنّ «النهضة التي دعا إليها الشيخ اطفيش كانت تسير في اتجاه النهضة
(1) ينظر: أصول التاريخ العثماني (مرجع سابق)؛ / 251 وما بعدها. أيضا: الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط (مرجع سابق)؛ /430 وما بعدها.
(2) رسالة إلى السلطان عبد الحميد، مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، رسائل صادرة من القطب، رمز: أ-ر 11.
(3) ينظر: الشيخ القرادي الحاج أيوب بن إبراهيم، 1923 - 1989م آثاره الفكرية، قطب الأيمة ومواقفه السياسية (محاضرة)؛ نشر جمعية النهضة، العطف-غرداية، الجزائر، ط2 - 2009م، /203. لكن لم يذكر هذا المرجع مصدر هذه المعلومات ولا مكان وجود هذه الوثائق التي يشير إليها.