شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية صالح بن الحاج بكير سيوسيو

شخصية القطب اطفيش من خلال تواصله مع الدولة العثمانية

الجزء ١ · صفحة ١٠١

التأليف والتعليم عموما، لا لمجرد حلّه لذلك اللغز، وذكر بعضهم أن السلطان أرفق تكريمه برسالة شكر على حلِّه اللغز(1)، لكن لم نطلع عليها، وربما فيها ما يكشف سبب التكريم.

وأيّاً كان سبب التكريم؛ فإن القطب قد افتخر به، ومن ذلك قوله مخاطبا العقبي في ردّه عليه: «وإن لم تعرف الإباضية فهُم قوم المؤلف لهذه الورقات امحمد بن الحاج يوسف اطفيش، الذي جاءه نيشان من السلطان الكبير سلطان اسطنبول صاحب القسطنطينة … »(2).

لا جدال في أن الدولة العثمانية إلى عهد القطب، لا يزال نفوذها منبسِطا على كثير من الأقطار الإسلامية، ولاسيما بعد فكرة «الجامعة الإسلامية»، التي دعا إليها السلطان عبد الحميد (سيأتي الحديث عنه -بمشيئة الله- في علاقته بالقطب)، ومن هذا الاعتبار يمكن أن نعدّ كل عالم في هذه الأقطار عثمانيا، تحت راية هذه الدولة، لكن سنقتصر هنا على مَن ينتسب إلى هذه العاصمة الإسلامية «إستانبول» وما حولها، أي تركيا حاليا، وأيضا على مَن كان ينشط فيها نشاطا عِلميا أو سياسيّا .. بشرط علاقته بالقطب -طبعا-.

لعل أول لقاء عُرِف للقطب بأحد أرباب هذه الدولة، كان في رحلته الحجازية الثانية (1290هـ/ 1874م) تقريبا(3)، فقد التقى بلفيف من أهل العلم وألقى دروسا في حضرتهم(4)، وممن تعرّف إليهم العالم التركي الشيخ محمد حقِّي بن علي بن إبراهيم التركي الحنفي، فقد ذكر القطب في الذّخر الأسنى من الأسماء الحسنى لُقياه به، فقال: «والتقيت معه في مكة عام ألف ومائتين وتسعين تقريبا، وكان يُحبّني ويقبِّل يدي ويخدُمني، حتى قام عليه الناس ونبّهوه على أني لست من الأشعرية، فترك ذلك خوفا منهم، مع بقاء رغبته في، وهو رجل له تآليف وورع وحب في الإسلام»، وفي موضع آخر يقول عنه: «إذ خدمني في المسجد الحرام حتى حسدني أهل مكة، وقد عرف أني إباضي، وطلبني أن أعطيه الحكمة في علم الجدول»(5).

فإذن ثمة تواصل إخواني حميمي بين القطب وهذا العالم المتصوّف التركي، وصل حدّ تقديم خدمات، بشكل مُلفت لأنظار أهل الحرم، والقطب لم يُفِدنا كثيرا، عمّا جرى في هذه اللُّقيا من حوارات، لكن إشارته إلى حبّ هذا الشيخ له، وبقاء رغبته في التواصل معه، وتعرّف الشيخ محمد حقّي على مذهب القطب وهكذا العكس، ثم معرفة القطب أنه صاحب تآليف وورع وحبٍّ في الإسلام .. ثم طلب الشيخ محمد حقّي من القطب أن يعطيه الحكمة في (علم الجدول) .. كل ذلك لا يمكن أن يَمرّ دون السؤال عن أحوال الدولة العثمانية وسلطانها، وما ينبغي لها وما ينبغي تجاهها.

والحق أن القطب استرجع بعض ذكريات هذه اللُّقيا، بعد أن وصله كتاب لهذا الشيخ، هو «مفزع الخلايق منبع الحقايق»؛ إذ استفاد منه لبعض ما كان يكتبه عن أسماء الله الحسنى، ومنها

(1) ينظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي؛ دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1 - 1998، /270.

(2) الرد على العقبي (مصدر سابق)؛ أ-هـ 1/ 14، /6و.

(3) ودليل وجود حجة للقطب قبل عام 1283هـ، ذكرته في «رِسَالةُ الشّيخ أبي مُسلِم الرّواحِي العُماني إلى الشّيخ اطْفَيَّش القُطْب الجزائري .. أُنموذَج التّواصل الإِخوانِيّ العِلْميّ» ورقة مُقدّمة للمُلتقى العلميِّ الثامن، لوحدة الدّراسات العُمانية «التواصلُ الحضاريُّ العمانيُّ المغاربيُّ في العصر الحديث» 13 - 14 ذو القعدة 1433هـ/ 11 - 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2011م، /8.

(4) قال القطب في رده على العقبي: «وإن لم تعرف الإباضية، فقد عرفهم دحلان وحسبي الله الشافعيان، الحاضر أحدهما في إقرائي في المسجد الحرام، تأليف السنوسي في التوحيد بحواشيه وأبحاثه وشروحه لجماعة في أبهة عظيمة من أهل عمان ومضاب وأهل الجبل جبل نفوسة من أعمال طرابلس الغرب»، أيضا قوله: «ومنهم من يحضر مجلسي للإقراء في المسجد الحرام، كالشيخ حسبي الله الشافعي حضر مجلسي في المسجد الحرام هو وغيره، من الأشاعرة ويكاتبونني وأجيبهم … » [امحمد بن يوسف اطفيش، الرد على العقبي (مخطوط)؛ مكتبة القطب، يسجن، غرداية-الجزائر، رمز: أ-هـ1/ 14، /2ظ، 3و. أيضا: امحمد بن يوسف اطفيش، إزهاق الباطل بالعلم الهاطل؛ طبع في 1318هـ، /22 - 23].

(5) الرد على العقبي (مصدر سابق)؛ أ-هـ1/ 14، /3و.

٧ / ٢٠