طريقة التعليم عند القطب من منظور النموذج التعليمي الخلدوني
الجزء ١ · صفحة ١٧١لذلك يُفضل الكثير من الدارسين استخدام مفهوم النموذج التعليمي الخلدوني.
وفي ذات السياق، يمكن اعتبار معهد الشيخ أطفيش "القطب" من المؤسسات التعليمية المتميّزة التي تركت بصماتها واضحة على البنية الاجتماعية والثقافية في مزاب، عندما اتخذ القطب من التعليم وسيلةً لتبليغ رسالته الحياتية وإصلاح المجتمع، فقضى حوالي ثمانين عامًا في التعليم، أقبل عليه الطلبة من كل حدب وصوب، فحبّب إليهم طلب العلم بانتهاجه طريقةً تعليميةً مشوقةً لم يألفها طلبة عصره، فشاع أمره، وازداد عدد طلبته المتلهفين للارتواء من نبع علمه، حتى أصبحوا امتدادًا لفكره واستمرارًا لنهجه في مواقعهم المختلفة.
فالمتتبع لمسيرة معهد القطب وطريقته التعليمية يلاحظ وجود نقاط تماس عديدة مع النموذج التعليمي الخلدوني وكأنها مستوحاة منه - رغم استبعادنا لذلك - وعليه تسعى هذه الورقة البحثية إلى الإحاطة بمختلف جوانب العملية التعليمية عند القطب، ثم الإشارة إلى النموذج التعليمي الخلدوني بكيفية مقتضبة، فمحاولة الكشف عن أهم نقاط التماس والتطابق بينهما، من خلال مقارنة مبادئ النموذج التعليمي الخلدوني بطريقة التعليم عند القطب.
عسى أن تُثير هذه المداخلة نقاشاتٍ علميةٍ واسعةٍ، تسعى إلى تكوين جسورٍ تُوحد بين الاهتمامات النظرية والمنهجية والعملية للباحثين، وتساهم إلى حدٍ ما في تحديد معالم السياسة التعليمية الجزائرية.
1 - حياة الشيخ أطفيش:
هو أمحمد بن يوسف بن عيسى بن عبد الرحمان بن عيسى بن إسماعيل أطفيش، وُلد سنة 1236هـ الموافق لـ1820م ببني يزقن (أوعشت بكير، 1989، ص63)، لُقب بقطب الأئمة (مجموعة مؤلفين، 1999، 4/ 848)، أظهر تفوقًا ونبوغًا منذ صغره، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات (محمد علي دبوز، 1965، 1/ 299)، وأصبح بذلك مؤهلاً للاستزادة، فتلقى مختلف العلوم والفنون على يد عدّة مشايخ منهم أخوه إبراهيم بن يوسف أطفيش الذي علّمه مبادئ علوم الدين كالتفسير والحديث والفقه وأصول التشريع، كما أخذ منه المنطق والصرف والبلاغة والنحو والعروض، إضافة إلى الحساب وعلم الفلك … (أبو القاسم سعد الله، 1998، 3/ 266)، وما إن اشتد عوده واستساغ حلاوة طلب العلم، حتى شمر على ساعديه معتمدًا على نفسه في تحصيل مختلف العلوم، وقد استطاع بجده وعزيمته أن يستنسخ عددًا معتبرًا من الكتب، كما تحصل على العديد من الخزائن النفيسة من الكتب في وادي مزاب، كخزانة الشيخ عبد العزيز الثميني ومكتبة عمر بن سليمان نوح (الحاج سعيد يوسف، 1992، ص134)، حتى بلغ من النبوغ والتمكين ما جعله يجلس مبكرًا للتعليم إلى جانب شيخه وشقيقه، فتحلق من حوله من