لمحة عن الفقه المقارن
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢كان محيط الشيخ القطب الداني والقاصي لم ينضج بعد لتقبل آراء الغير وهذا لم يعدله عن عزمه، آملا أن يحذو حذوه غيره من علماء الإسلام ليستكشفوا ثروة مذهبه وتراث سلفه الصالح بعيدين عن التقوقع والتعصب والتهميش.
وكان دأبه رحمه الله تدريس كل ما يقتنيه ويقتنع به مما يجد في كتب السلف، وكان مع طلبته مدرسة متنقلة لا يرتادها العام؛ فللعامة وعظ وتوجيه بما يفهمونه كما كان يوصي دائما 'اخطبوا العامة بما يفهمون'؛ وكان يخصص تدريسه لطلبة العلم معتمدا على بعض مؤلفاته التي لا يصلح سردها للعامة في المنابر وهي تشكل أرضية التدريس وقد لا يدع مسألة ذكرها وتحققها إلا ووردها في وقتها، ولو استطرادا، فيما هو بصدد تدريسه أو تأليفه حرصا على تسجيلها وخوفا أن ينساها؛
يا ليته يملك الآليات العصرية ليضع بسهولة كل مسألة في إطارها ويسهل علينا إدراك خبايا علمه في بعض المسائل دون عناء كبير، ولو ملك آليات عصرنا لسهل عليه تحديث كتبه وتحيينها دون إعادة نسخها من جديد وحتى يسهل علينا أن نعرف رأيه الأخير في مسألة حررها مرارا؛ ونحن لا نملك إلا أن نقول أن آخر رأي له في مسألة وقع تحديثها مرارا -إن استطعنا أن نعرف تواريخ تدوينها- هو رأيه الذي استقر عليه بحكم مراجعاته وتصحيحاته المستمرة.
كانت تآليفه مادة للدراسة وكان يؤلف في شتى الفنون وبصفة موازية ويراجع كتبه عندما يفتح الله عليه مزيدا من المعرفة، وهكذا ارتقت كتبه التي ألفها في آخر عمره كتيسير التفسير إلى شبه محاضرات علمية فنية فقهية أدبية قد يصعب استيعابها من طرف العامة وهي بمثابة المراجع والموسوعات للدارسين والباحثين.
وتبعا لهذا التكوين وهذه المجهودات المتواصلة واشتراكاته في كثير من الأنشطة العلمية جعلت منه حتما مؤلفا قديرا يستوعب ما كتبه الأولون وبفكره الناقد يرجح ويقارن ويصحح ويستنبط وقد أطال الله عمره حتى صار عمدة للفتوى ومرجعية للإسلام عامة في بعض القضايا وللإباضية خاصة.
الفقه المقارن عند الإباضية عامة
لقد امتاز القرن الخامس الهجري بالتأليف الموسوعي والفقه المقارن، وبرز فيه أئمة وعلماء وفقهاء ومصنفون في مختلف البلاد الإسلامي وبرز فيه من علماء الإباضية أمثال الشيخ يوسف بن خلفون الذي عاش في ورجلان وهو ممن أعطى الأهمية للفقه المقارن إنصافا لجهود المذاهب الأخرى ونبذا للتعصب.