لمحة عن الفقه المقارن
الجزء ١ · صفحة ٣٦٤يعتمد في الفروع آراء من خالفه كحسن البصري ويأخذ من جملة الصحابة والتابعين الذين عاصرهم؛
ثم حذا حذوه الإمام إسماعيل الجيطالي ثم أبو ستة الذي كان يرد نصوصا كاملة في الحواشي، وأرسى دعائم الفقه المقارن قطب الأئمة حيث اعتمد ما صح عنده من كتب الحديث كالبخاري ومسلم وغيره من الكتب الستة وجمعها في كتابين هامين 'وفاء الضمانة بأداء الأمانة' و'جامع الشمل في حديث خير الرسل'.
وكان عمله رحمه الله بعيدا عن الهوى، أو التشهير، معتقدا أنه إذا أصاب له أجران، وإن أخطأ فله أجر مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم
(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (
وكان الشيخ القطب عالما راسخا في المواضيع التي يتناولها، وكان على دراية كافية بأقوال المذاهب، وآراء العلماء الذين يقارن بينهم، وهو ملمً إلماماً كافياً بأصول الفقه، وعالما بها لشدة مطالعاته المتواصلة وكان يعرض الأقوال والآراء من الكتب المعتمدة في المذهب بأمانة كاملة وينقلها عن الإمام أو المجتهد أو المذهب، وينقل بدقة وأمانة القول الراجح المعتمد، وإلا صرح بأنه ينقل قولاً له، أو رواية عنه، أو قولاً مرجوجاً، حتى يصح نسبة الرأي لصاحبه، أو القول في المذهب.
فالمدرسة الإباضية مثل نظيرتها من المدارس الفقهية الإسلامية أسهمت الكثير في إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة وهو الوارد في معظم الأحيان وخاصة عند القدماء، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى المدرسة الإباضية.
كان إمام المذهب جابر بن زيد يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.
وفي كتاب "المدونة" التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الهجري الثاني، نماذج وفيرة لحوارات علمية شيقة بين هؤلاء التلاميذ، ومدى التزامهم الجدية والموضوعية في ترجيح الآراء بعد النقاش، ولو كانت آراء غير أئمة المذهب كجابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم.
كان علماء الإباضية يجتهدون دون قيود معجزة، حتى أبدعوا حركية علمية فقهية، توائم