بيان الشرع (الأجزاء 1-17) محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٩

أو يحرم على نفسه ما لا يحرم عليه، باعتقاد الدينونة في ذلك، وقال من قال ما لم يعلم فرض ذلك في وقته ويؤده بعلم منه أنه لازم عليه بعينه، فلا ينفعه ذلك، وعليه علم ذلك وتأديته بعد العلم منه بذلك، فإن أداه بغير علم منه بلزوم ذلك فقد قال من قال إن عليه بدل ذلك ولا كفارة عليه فيما تلزمه فيه الكفارة، وقال من قال عليه البدل والكفارة.

وأما إذا كان مقراً بالجملة عالماً بمعناها دائنا بها، فجهل شيئاً من الفرائض الداخلة فيها، فلم يجد من يعبر له عنه في وقت لزومه فدان بالسؤال عما يلزمه من ذلك، وأداه على ما يحسن في عقله مع الدينونة بالسؤال عما يلزمه، وكان عاجزاً عن الخروج في التماس المعبرين عن كيفيته لخوف أو عدم راحلة (وهو لا يقدر على الوصول إلا بالركوب) أو علة في بدنه لا يقدر معها على الخروج، فإذا كان عاجزاً بأحد هذه الأشياء وقد علم لزوم الفرض عليه ولم يعلم كيفية أدائه(1) فأداه كما

(1) من علم بوجوب فرض مؤقت عليه وكان جاهلا بكيفية أدائه مع حضور وقته كالصلاة والصوم، وجب عليه تعلم ذلك ممن أمكنه الوصول إليه من الناس، فإن كان من يمكنه التعبير عنه حاضراً عنده لم يسعه تأخير تعلمه، وإن كان بعيداً عنه وجب عليه الخروج إليه إن كان قادراً على ذلك والقدرة تتكون من أمور:

(أ) معرفته بوجود المعبر في مكان معين.

(ب) وجود الراحلة التي تبلغه إليه.

(ج) حصول الزاد الذي يتبلغ به في سفره إلى أن يعود.

(د) أمان الطريق.

(هـ) صحة البدن.

(و) توفر القوت الذي يكفي عياله إلى أن يعود إليهم.

وإذا توفرت هذه الأمور سقط عنه التكليف بالفرض عند الأكثرين، وذهب الإمام أبو سعيد رحمه الله كما هو واضح من كلامه -هذا- إلى وجوب تأديته كما يتصور في عقله، وهذا يعني تحكيم العقل عند عدم إمكان معرفة حكم الشرع، وهو بعينه رأي ابن بركة حيث قال بوجوب ترك ما يستقبحه العقل، كذبح الحيوان على من كان منقطعاً في جزيرة لا يمكنه فيها الوصول إلى معرفة أحكام الشرع، والفارق بين رأي الإمامين وقول المعتزلة لتحكيم العقل أن المعتزلة يرون أن العقل هو الأصل في إيجاب الفرائض، وحصر المحرمات، وأن الشرع إما أن يكون مؤكدا له أو مبينا، وقد أدى بهم هذا القول إلى الحكم إلى الشرع بالإلغاء والنبذ، إذا تصادما مع العقل، أما الإمامان فهما يريان أن الشرع هو الأصل، وإنما يحكم عندهما العقل كبديل عنه إذا تعذر الوصول إلى حكمه فإذا أمكن من بعد وجب المصير إليه وترك التعويل على ما أرشد إليه العقل، ويوضح ذلك ما ذكره الإمام أبو سعيد -رحمه الله- هنا من وجوب قضاء الفرض المؤدي بإيحاء العقل إذا ظهرت تأديته مخالفة لكيفيته الشرعية. (راجع مشارق الأنوار للإمام نور الدين السالمي رحمه الله).

١١٨ / ٤٬٣٨٩